الخميس، ١٤ محرم ١٤٤٤ هـ ، ١١ أغسطس ٢٠٢٢
بحث متقدم

بيان من "الدعوة السلفية" حول تحريفات "سعد الدين الهلالي" بشأن فرضية الحجاب

بيان من "الدعوة السلفية" حول تحريفات "سعد الدين الهلالي" بشأن فرضية الحجاب
السبت ٠٢ يوليو ٢٠٢٢ - ١٨:٠٦ م
888


بيان من "الدعوة السلفية" حول تحريفات "سعد الدين الهلالي" بشأن فرضية الحجاب


الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد اعتاد الدكتور "سعد الدين الهلالي" مصادمة الثوابت الشرعية، ومصادمة الأمور المُجْمَع عليها؛ لكي يُدَافِع عن أي معصيةٍ انتشرتْ بأنها صارت عرفًا واجب الاتباع مُقَدَّمًا على ما نَصَّت عليه نصوصُ الشرع!

وكان مِن هذا: ظهوره في حلقة برنامج الحكاية يوم الاثنين 27-6-2022م.

والذي أنكر فيه فرضية الحجاب على المرأة المسلمة! متذرعًا بعددٍ من الشبهات الساقطة التي كان مِن المفترض بحكم دراسته في جامعة الأزهر، أن يكون أدرى الناس بتهافتها!

ولكي يمرر هذه الدعوى المتهافتة، أضاف إليها أمرين آخرين في غاية الخطورة، والبُعد والانحراف عن شرع الله، وهما:

1- دعوى مرجعية العرف في تفسير نصوص الشرعية بحيث يفسِّرها كلُّ قومٍ بحسب أعرافهم!

2- دعوى أن الملزِم لكلِّ مسلمٍ؛ عالمًا كان أو جاهلًا، هو فهمه للنصوص، وليس لأحدٍ أن يلزمه بفهمه!

وهذا رد مختصر على تلك الضلالات:

1- دَلَّ الكتاب والسُّنة وإجماع الأمة على وجوب ستر العورة، قال تعالى: "يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ"، وعن بهزِ بنِ حكيمٍ عن أبيه عن جدِّه قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، عوراتُنا ما نأتي منها وما نذرُ؟ قال: "احفظْ عورتَك إلا مِن زوجتِك أو ما ملكت يمينُكَ".

وقال ابن رشد في بداية المجتهد: "اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ بِإِطْلَاقٍ"، وهذه الجزئية سَلَّم بها "الهلالي"؛ إلا أنه زعمَ أن المرجعَ في حدِّ العورة ليس إلى الشرع، وإنما هو إلى العرف!

وبيان ذلك في الجزئية التالية:

2- اتَّفَق أهلُ العِلْم على أن حدَّ العورة مسألة شرعية وليست عرفية؛ وذلك لورود أدلة تبيِّنها وتوضِّحها، منها في حق النساء: الأمر بالخمار الذي هو غطاء الرأس، والإلزام مع هذا بستر فتحة الصدر، فقال تعالى: "وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ"، ومع الأمر بإدناء الجلباب -وهو الثوب الذي تلبسه المرأة ساترًا لبدنها أعلاه وأسفله- زاد الشرع في صفته أن يُدنَى مِن الرأس، فقال تعالى: "يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ذَٰلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا".

وبصفة عامة جاء نهي النساء عن إبداء زينتهن لغير محارمهن؛ إلا ما ظهر منها، فقال الله تعالى: "وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا".

3- الخلاف بين الصحابة والتابعين والأمة مِن بعدهم، انحصر في جعل الاستثناء هنا في أضيق الحدود عند البعض، كابن مسعود رضي الله عنه، ومِن ثَمَّ فالاستثناء يشمل إظهار عين واحدة، ومَن وَسَّعه جعله يشمل الوجه والكفين؛ فوقع الإجماع على أن كلَّ ما عدا هذين عورة.

ولذلك قال ابن رشد بعد ذكر الإجماع على ستر العورة مبينًا حدَّ العورة عند العلماء: "أَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ: وَهِيَ حَدُّ الْعَوْرَةِ مِنَ الْمَرْأَةِ، فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ بَدَنَهَا كُلَّهُ عَوْرَةٌ مَا خَلَا الْوَجْهَ وَالْكَفَّيْنِ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ قَدَمَهَا لَيْسَتْ بِعَوْرَةٍ، وَذَهَبَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ كُلَّهَا عَوْرَةٌ".

وقد ذكر "الهلالي" النقل الأول عن ابن رشد، وأغفل عن ذكر حدِّ عورة المرأة عند العلماء، والمذكور بعده بقليل.

قال ابن حزم في (مراتب الإجماع): "اتفقوا على أن شعر الحرة وجسمها حاشا وجهها ويدها عورة".

وقال ابن عبد البر في (الاستذكار): "الذي عليه فقهاء الأمصار بالحجاز والعراق: أن على المرأة الحرة أن تغطي جسمها كله بدرع صفيق سابغ، وتخمِّر رأسها؛ فإنها كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وأن عليها ستر ما عدا وجهها وكفيها".

4- التزام هذا الستر من المرأة يُسَمَّى حجابًا، وقد قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم لأم سلمة وميمونة لما دخل عليه عبد الله بن أم مكتوم بعد نزول آية الحجاب: "احْتَجِبَا مِنْهُ"، وآية الحجاب هي قوله تعالى: "وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ ذَٰلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ".

5- أما حديث أسماء الذي يقول فيه صلى الله عليه وسلم: "يَا أَسْمَاءُ، إِنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا بَلَغَتِ الْمَحِيضَ لَمْ يَصْلُحْ أَنْ يُرَى مِنْهَا إِلاَّ هَذَا وَهَذَا"؛ فليس هو الدليل الوحيد الذي استندت إليه الأمة في الإجماع الذي أشرنا إليه، بل هو معضد لمَن حمل الاستثناء في قوله تعالى: "إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا" على الوجه والكفين.

وهو حديث بالفعل فيه عِلل ضعَّفه بها بعضُ أهل العلم، وعامة مَن ضعَّفه مَال إلى أن عورة المرأة هي جميع بدنها، ولم يستثنوا الوجه والكفين، فالانتصار لضعف هذا الحديث لا يسقط فرضية الحجاب كما أوهم "الهلالي"، بل يؤدى إلى قوة القول الذي يقضي بوجوب ستر الوجه والكفين، ولا نظن أن الهلالي يريد هذا.

6- وكما هو واضح مِن السياق في أن وجود خلاف بين أهل العلم في تفاصيل قضيةٍ ما لا يبيح لأحدٍ أن يتلاعب بها، أو أن يهدر القَدْر الذي اتفق عليه أهل العلم، وهو ما نص عليه عامة العلماء المعنيين بحكاية مذاهب العلماء، فحصروا الخلاف السائغ بين العلماء في الوجه والكفين كما بيَّنَّا.

7- ومن هنا يُعلَم أن الإحالة على العُرْف في مسألة ستر العورة، وكأن الشرع أمرنا بستر العورة ثم لم يتعرض لبيان حدِّها مِن قريبٍ ولا بعيدٍ، هو نوع من الكذب على الشرع، وإخفاء لكثيرٍ مِن نصوصه الصريحة التي تناولت حدَّ العورة، وإن الرجوع للعرف بهذه الصورة ما هو إلا اتباع الهوى الذي قال الله عز وجل في شأنه: "فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ".

8- ومع هذا؛ فلو كان الأمر كذلك، فالقوم كانت لهم أعراف في شأن عورة المرأة لعلها أكثر حشمة ووقارًا مِن تلك التي يتعارف عليها الغرب الآن، وعلى الرغم من هذا ذمَّها الله عز وجل، ونهى المؤمنات عنها، فقال تعالى: "وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى".

فما عُرْف الجاهلية الأولى الذي أتى الشرع بهدمه ونهى المؤمنات عنه؟

قال ابن كثير رحمه: "وقَالَ مُقَاتِلُ بْنُ حَيَّانَ: (وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأولَى) وَالتَّبَرُّجُ: أَنَّهَا تُلْقِي الْخِمَارَ عَلَى رَأْسِهَا، وَلَا تَشُدُّهُ فَيُوَارِي قَلَائِدَهَا وَقُرْطَهَا وَعُنُقَهَا، وَيَبْدُو ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْهَا، وَذَلِكَ التَّبَرُّجُ".

9- وأما خطاب الهلالي لمن يقتنع بباطله بأن لا ينزعج مِن قول أهل العلم، فسوف يُحَاسَب يوم القيامة بما فهمه مِن كتاب الله! فهو كمَن يطلب مِن المريض أن يقرأ كتب الطب ويصف لنفسه الدواء، بل أشد!

ولا شك أن الذي حَصَّل أدوات فهم النص هو مَن يفعل هذا، ومِن أهم أدوات الفهم: معرفة أقوال السلف، ومواطن الخلاف، ومواطن الإجماع التي كتمها الهلالي عن جمهوره، وأما مَن لم يحصِّل أدوات فهم النص؛ ففرضه كما قال تعالى: "فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون".

ثم إن "الهلالي" قد ذهل أن تلك القاعدة التي زعمها، لو كانت شرعية صحيحة؛ للزمه أن يعترف لـ"داعش"، وغيرها، بأن لهم فهمهم الذي يُحترم لنصوص الشريعة، وإن كان بالطبع هو لا يريد أن يعطي هذا الحق إلا لمَن يريدون الانسلاخ من الشريعة.

ودعاة داعش، ودعاة منابذة الحجاب والعفاف، كلاهما متبع لهواه؛ فالهوى قد يكون في الكبر والاستعلاء على الخلق، وقد يكون في اتباع الشهوات بكلِّ أنواعها، ولا يضبط هذا إلا إلزام الجميع بشرع الله عز وجل.

10- كانت هناك ردود جيدة مِن "شيخ الأزهر" و"وكيله السابق"، وبعض هيئاته، وكذلك دار الإفتاء المصرية؛ إلا أن طرح "الهلالي" لشذوذاته على الإعلام، والذي تكرر في أكثر من قضيةٍ، يقتضي وقفة تجنِّب الأمة بابًا مِن أبواب الفتنة، والتي ما أكثرها في زماننا! والتي يقف وراءها أعداء يريدون تذويب هويتنا، والأمر لا يقتصر على إنكار الحجاب؛ فالقائمة طويلة، والضغوط تتزايد من كلِّ الاتجاهات مِن أجل الاعتراف بأن الشذوذ خيار يجب أن يُحترَم!

وهي معركة تُستعمَل فيها ذات الأدوات العبثية التي تعبث بمرجعية النصوص، ومرجعية الإجماع؛ ليُترَك الشخص فيها أمام أهواء تدفعها بكلِّ قوة الآلة الإعلامية الغربية.

ومِن جهة أخرى: فهم يشككون كلَّ مَن يقع فريسة لهم في أي حواجز فطرية أو دينية يمكن أن تدعوه إلى مراجعة نفسه ومقاومة أهوائه!

نسأل الله أن يحفظ مصرنا وأمتنا، وشبابها وفتياتها مِن كلِّ مكروهٍ وسوءٍ.

الدعوة السلفية بمصر

السبت 3 ذي الحجة 1443هـ

2 يوليو 2022م


موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

الكلمات الدلالية