الثلاثاء، ٩ ربيع أول ١٤٤٤ هـ ، ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٢
بحث متقدم

تقنين الشريعة الإسلامية في مصر

تقنين الشريعة الإسلامية في مصر
الثلاثاء ٠٢ أغسطس ٢٠٢٢ - ٢٠:٣٥ م
42

تقنين الشريعة الإسلامية في مصر

كتبه/ طلعت مرزوق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الشريعة الإسلامية التي قرَّرت أسمى المبادئ وأعدل النظم في كافة المجالات، لم تدع شأناً من شئون الفرد والجماعة إلا أنارت فيه السبيل، فكانت وستظل خاتمة الشرائع، وأبقاها على الدهر، وأصلحها لكلِّ أمةٍ وزمان.

تقنين الشريعة الإسلامية:

يُقصَد بالتقنين: جمع أحكام المسائل في كلِّ باب أو موضوع معين وصياغتها في عبارة سهلة، وفي مواد مُتتابعة ومُرقمة لكي يجري القضاء بها بين سائر المتقاضين في جميع المحاكم.

وفي أواخر القرن الثالث عشر الهجري ظهرت فكرة تقنين أحكام الفقه الإسلامي عندما أنشأ العثمانيون المحاكم حيث ربطوا بين التقنين وبين مسالة حكم إلزام القاضي بالقضاء وَفْقًا لمذهب معين لا يقضَى إلا به، وهي من مسائل الاجتهاد.

واستدل المجيزون للتقنين بالأدلة التالية:

- أن إلزام القاضي بمذهب معين لا يتجاوزه فيه مصلحة، فإذا رأى الحاكم وجود هذه المصلحة جاز له الإلزام.

- أن غالب القضاة في هذا الزمان ليسوا من أهل الاجتهاد، ومع ظهور مسائل جديدة لا قدرة للقضاة على الحكم فيها، فالحاجة مُلحة إلى أن يتم النص عليها في التقنين.

- أن ترك القضاة يحكمون بما يصل إليه اجتهادهم يؤدي إلى اختلاف الأحكام في القضايا المماثلة؛ الأمر الذي يؤدي إلى إحداث بلبلة واضطراب بين الناس، وإهدار الثقة بالمحاكم، أما التقنين فيؤدي إلى توحيد الأحكام.

- أنه وسيلة لتحكيم الشريعة؛ حتى لا يؤول الأمر إلى هيئة غير شرعية تضع قانونًا مُخالفًا لأحكام الفقه الإسلامي ويُلزم القضاة به.

وقد اشترط بعضهم ضوابط مُعينة للتقنين، منها:

- أن يُعتمد فيه على الرأي الراجح من كافة المذاهب الفقهية، وأن يتم الترجيح وَفْقًا لقواعد التعارض والترجيح المعروفة في عِلْم أصول الفقه.

- أن يتم التقنين بمعرفة لجنة مُتخصصة من المجتهدين مع الاستعانة بمَن تراه مناسبًا للمساعدة في تحقيق هذه المهمة من العلماء في كافة التخصصات.

- وضع مُذكرة إيضاحية للتقنين، والنظر فيه كلما مضت مدة معقولة.

تقنين الشريعة في مصر مجلس الشعب:

في أواخر عهد الرئيس الراحل السادات شُكِّلت في مصر لجنة عامة لتقنين الشريعة الإسلامية برئاسة الدكتور صوفي أبو طالب رئيس مجلس الشعب في ذلك الوقت، وضمت صفوة علماء الشريعة الإسلامية والقانون من الأزهر والجامعات المصرية والقضاء، وانتهت من عملها عام 1982م.

وعُرضت بعض هذه المشاريع على مجلس الشعب ووافق عليها؛ إلا أن ظروفًا عديدة داخلية وخارجية حالت دون تطبيق هذه القوانين.

والقوانين التي تم إنجازها في مجلس الشعب المصري هي:

1- مشروع قانون المعاملات المدنية، أكثر مِن 1000 مادة.

2- مشروع قانون الإثبات، 181 مادة.

3- مشروع قانون التقاضي، 513 مادة.

4- مشروع قانون العقوبات، القسم العام والحدود والتعزيرات، 635 مادة.

5- مشروع قانون التجارة البحرية، 443 مادة.

6- مشروع قانون التجارة، 776 مادة.

وقد استغرق إعدادُ هذه المشروعات أربعين شهرًا فقط.

ويمكن الاستفادة مِن هذه الجهود، مع التعديل بما يقتضيه الحال والزمان، والبناء عليها.

بعض الدراسات المتعلقة بتقنين مجلس الشعب:

للدكتور محمد أبو العلا عقيدة، أستاذ ورئيس قسم القانون الجنائي بكلية الحقوق جامعة عين شمس، والعميد الأسبق لكلية الشريعة والقانون بجامعة الإمارات، دراسة تحليلية تأصيلية لمشروع قانون العقوبات، وقد صدرت طبعته الأولى عام 1985، بينما صدرت الطبعة الثالثة عام 2013 عن دار النهضة العربية بالقاهرة.

تقنين الشريعة في مجمع البحوث الإسلامية:

شَكَّل الدكتور محمد عبد الرحمن بيصار، الأمين العام لمجمع البحوث الإسلامية الأسبق لجنة مِن كبار علماء الشريعة بالأزهر، وكبار رجال القانون لتقنين الشريعة الإسلامية، تنفيذًا لتوصية المؤتمر الرابع للمجمع المنعقد في 27 سبتمبر 1968.

فتم تقنين المذاهب الفقهية المعمول بها في البلاد الإسلامية، وانتهت اللجنة مِن تقنين المذاهب الأربعة "الحنفي - المالكي - الشافعي - الحنبلي" كل مذهب على حِدَّة، اعتمادًا على الراجح في كلِّ مذهب، وملحق بكل مادة مذكرة تفسيرية تُذكر فيها الآراء الأخرى، على أن يتم بعد ذلك وضع قانون مُختار مِن بين المذاهب جميعًا.

تقنين الشريعة في جامعة الدول العربية:

اعتمد مجلس وزراء العدل العرب عِدَّة مشروعات كقوانين نموذجية، ونشرتها الإدارة العامة للشئون القانونية بجامعة الدول العربية، ومنها: القانون الجزائي العربي الموحَّد (القرار رقم 229 - د 12 - 19 نوفمبر 1996)، وغيرها مِن المشروعات: كالقانون المدني، والإجرائي، إلخ.

تقنين الشريعة على المستوى الفردي:

المستشار علي علي منصور: مِن أشهر مَن قام بذلك المستشار علي علي منصور -رحمه الله تعالى-، رئيس محكمة القضاء الإداري، ووكيل مجلس الدولة، ورئيس محكمة الاستئناف العليا الأسبق. والأستاذ المنتدب لتدريس القانون المقارن بكلية الشريعة جامعة الأزهر، ورئيس لجنة خبراء العلوم بالمجلس الأعلى للشئون الإسلامية الأسبق، ورئيس المحكمة الدستورية العليا بالجمهورية العربية الليبية الأسبق، ورئيس اللجنة العليا لتعديل القوانين الوضعية وَفْق أحكام الشريعة الإسلامية الأسبق، في سلسلة الشريعة الإسلامية مُقننة مُقارنةً بالقوانين الوضعية - نظام التجريم والعقاب في الإسلام مُقارنًا بالقوانين الوضعية - الجزء الأول الحدود، والجزء الثاني القِصاص في جرائم الاعتداء على النفس، وعلى ما دون النفس، والدية في كلا النوعين، صدرت الطبعة الأولى بتاريخ 1396 هـ - 1976 م مِن مكتبة الزهراء للإيمان والخير بالمدينة المنورة، وقدَّم لها الدكتور عبد الحليم محمود، شيخ الجامع الأزهر الأسبق، والشيخ حسنين محمد مخلوف، مفتي الديار المصرية الأسبق، وعضو جماعة كبار العلماء بمصر، وعضو المجلس التأسيسي لرابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، والدكتور محمد بيصار، وكيل الأزهر الأسبق.

وللحديث بقية بإذن الله تعالى.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

 

 

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة