الأحد، ١١ جمادى أول ١٤٤٤ هـ ، ٠٤ ديسمبر ٢٠٢٢
بحث متقدم

المتابعة في العمل التطوعي... فن علاج الخلل (1)

المتابعة في العمل التطوعي... فن علاج الخلل (1)
الاثنين ٢٩ أغسطس ٢٠٢٢ - ١٧:٣٦ م
46

المتابعة في العمل التطوعي... فن علاج الخلل (1)

كتبه/ غريب أبو الحسن

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالمتابعة والرقابة من الأسس التربوية التي يتربَّى عليها المسلم، فالمسلم يعلم أن أعماله تُحصَى عليه، وأنه سوف يلقى ربَّه بكتابٍ به مثاقيل الذر مِن الأعمال، وأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته"، وكان صلى الله عليه وسلم يتابع أصحابه وعماله؛ فقد قال عليه الصلاة والسلام: "نعم الرجل عبد الله بن عمر لو كان يقوم من الليل"، وعندما استعمل رجلًا على الصدقة فقال: "هذا لكم وهذا أهدي إليَّ!"، قال صلى الله عليه وسلم: "ما بال الرجل نستعمله على العمل فيقول: هذا لكم وهذا أهدي إليَّ؛ أفلا قعد في بيت أبيه وأمه فنظر أيهدي إليه أم لا؟!".

- وكذلك الخلفاء من بعد النبي صلى الله عليه وسلم: فها هو أبو بكر رضي الله عنه يزور مكة في ولايته ثم يجلس قريبًا من دار الندوة، فيقول: "هل أحد منكم يشتكي ظلامة أو يطلب حقًّا؟"، فلا يأتيه أحدٌ!

- وكذلك محاسبة أبي بكر رضي الله عنه لمعاذ رضي الله عنه: "ارفع لنا حسابك"، فيقول معاذ: "حسابان، حساب منك، وحساب من الله".

- محاسبة عمر رضي الله عنه لولاته: عمرو بن العاص واليه على مصر، وسعد بن أبي وقاص واليه على الكوفة.

- شكوى أهل حمص واليهم سعيد بن عامر، وتحقيق عمر في تلك الشكاية.

- مقابلة عمر للولاة والعمال في موسم الحج.

والمتابعة هي الوظيفة الخامسة من وظائف الإدارة، وهي وثيقة الصلة بالوظائف السابقة لها، فدعونا نستعرض الوظائف الإدارية باختصار كمدخلٍ للحديث عن المتابعة.

أولًا: علاقة المتابعة بالوظائف الإدارية وإطلالة سريعة على الوظائف الإدارية:

- الوظائف الإدارية الخمسة هي: (التخطيط - التنظيم - التوظيف - التوجيه - المتابعة).

- التخطيط: هو اختصار العمل من خلال خطة بتحويل الأهداف إلى برامج ووسائل موضوعة في إطار زمني.

- التنظيم: هو بناء الهيكل اللازم لتنفيذ الخطة بتحويل الخطة لأجزاء يسهل التكليف بها، ثم تجميع الأعمال المتشابهة في قسم واحد، ثم بناء الهيكل الذي سيقوم بالتنفيذ بناءً على ذلك، ثم ضبط العلاقة بين مكونات الهيكل المختلفة.

- الهياكل الإدارية تبدأ بسيطة ثم تزداد تعقيدًا مع الوقت (مثال: عرض نمو فريق عمل داخل مسجد).

- التوظيف: هو وضع الرجل المناسب في المكان المناسب، وتسكين الهيكل بالكفاءات المطلوبة، ولازم ذلك من وجود عملية تدريب للهيكل على وظائفه ورفع مهاراته وكفاءته.

- التوجيه: وهو القيام بإصدار التكليفات والأوامر أثناء عملية التنفيذ، ويشمل معاني القيادة والتواصل والتحفيز.

ثانيًا: تعريف المتابعة:

- المتابعة: هي عملية التحقق من إنجاز الخطط الموضوعة، والكشف عن معوقات تحقيقها والعمل على تذليل تلك المعوقات في أقصر وقت ممكن.

وبهذا التعريف يتَّضِح لنا أن المتابعة تشتمل على وظيفتين كبيرتين:

- الوظيفة الأولى هي: تحديد الخلل في الأعمال ومعرفة أسبابه.

- والوظيفة الثانية هي: التدخل لعلاج هذا الخلل.

- والمتابعة وثيقة الصلة بالتخطيط؛ فبغير التخطيط يستحيل المتابعة، والمتابعة هي التي تكشف للمخطط جوانب القصور في الخطة، وتشعره في الوقت المناسب بضرورة تعديلها أو تبديلها.

- والمتابعة وثيقة الصلة بالتنظيم؛ فهي تكشف للمدير عن أي خلل في بناء الهيكل التنظيمي.

- وهي وثيقة الصلة بالتفويض، فالمفوض يحتاجها لمتابعة العمل متابعة دقيقة، فعندما يفوض المسئول عمله لغيره يظل العمل في نطاق مسئوليته في نهاية المطاف.

- والمتابعة وثيقة الصلة بالتوجيه فهي تخبر المدير بمدي تنفيذ قراراته ومدي فاعليتها، وقبول وتفاعل فرق العمل معها، ومدى جودة قنوات الاتصال مع فريقه، والجرعة التحفيزية التي يحتاجها فريق العمل.

ثالثًا: أهمية المتابعة:

1- التأكد أن المستهدف من الأعمال يتم تحقيقه وَفْق المخطط له من حيث الإجراءات والنتائج.

2- التأكد أن تنفيذ الأعمال تم وفق الجدول الزمني.

3- تحديد نقاط القوة والضعف في العمل، والجوانب التي تحتاج لتحسين.

4- التأكد من أن الأثر المرجو للمشروع قد تحقق.

5- ضبط الإنفاق على الأعمال والأنشطة من غير إسراف أو تقتير.

6- التأكد أن النشاطات تسير وَفْقًا للخطة الموضوعة.

7- التأكد من دقة التخطيط وحسن التنظيم، والاستغلال الأمثل للموارد المالية والبشرية.

8- الوقوف على المشكلات التي تعترض العمل والعمل على تذليلها.

9- التأكد من أن العمل يسير وَفْق القوانين والسياسات المنظِّمة للعمل.

10- رصد الأفراد المقصِّرين لتقويمهم والمميزين لمكافأتهم.

رابعًا: أساليب ووسائل المتابعة:

للمتابعة العديد مِن الأساليب والوسائل، وقد تحتاج في متابعة العمل الواحد أن تجمع بين العديد من هذه الوسائل، وقد تكون إحدى هذه الوسائل أنسب لبعض الأعمال أكثر من غيره.

فمن هذه الوسائل:

1- الملاحظة المباشرة: وهي من أقدم أدوات الرقابة عن طريق السؤال المباشر من الرئيس لمرؤوسيه، ويساعد عليها انتظام الجلسات الإدارية.

2- السجلات: وهي تدوين خطوات سير عملية التنفيذ وَفْق جداول متفق عليها، ومقارنة هذه البيانات بالخطة المستهدفة، وتساعد هذه الآلية على توجيه العمل أثناء التنفيذ؛ إلا أنها لا تظهر فيها جودة المنتج.

3- التقارير المكتوبة والشفهية: لأن الملاحظة المباشرة تكون غير كافية لإدراك جميع جوانب العمل، فتأتي التقارير لسد هذه الثغرة.

- وينبغي أن تتمتع التقارير بالدقة والمصداقية والموضوعية، وملائمة توقيتها لسرعة إظهار الانحرافات، وتكون التقارير أنسب للأعمال ذات التفاصيل والبرامج الكثيرة والمتشعبة.

4- البيانات الإحصائية والرسوم البيانية: عن طريق تغذية بعض البرامج بمعلومات تترجمها إلى رسوم بيانية تساعد على إدراك سير العمل وتقدمه أو تأخره وَفْق العامل الزمني.

5- الميزانيات التقديرية: الأرقام الواردة في الميزانية تعد أهدافًا ينبغي تنفيذها، وفي نفس الوقت تعد معيارًا رقابيًّا.

6- الزيارات الميدانية لمواقع تنفيذ الأنشطة.

7- عقد الجلسات الفردية والجماعية مع العاملين.

كتابة التقارير:

التقرير = جمع المعلومات؛ لذلك يجب أن تكون المعلومة بسيطة ودقيقة، ومعبِّرة بصدق عن الواقع، وسريعة فور وقوع الحدث؛ فلذلك ينبغي:

1- الاهتمام بالتقارير وعدم تأخيرها؛ حتى لا تصبح المعلومة من الماضي فتصبح بلا قيمة، وكذلك الاهتمام بها مِن قِبَل أصحاب القرار وعدم إهمالها؛ حتى لا نصيب مَن يكتب التقرير بالإحباط، فيتكاسل عن كتابة التقارير بعد ذلك.

2- ينبغي الثناء على مَن يكتب تقريرًا جيدًا ودقيقًا، وشكره على إحسانه في كتابة التقرير.

3- يتضمن التقرير:

- تاريخ كتابة التقرير ومرفوع لأي جهة.

 توضيح النشاط الذي تتم متابعته، وما مستهدفات هذا النشاط.

-  ثم ما تم إنجازه من هذه المستهدفات.

-  المعوقات والتحديات.

-  تحديد قَدْر الخلل في التنفيذ، وسبب هذا الخلل.

-  التوصيات والاقتراحات لعلاج هذا الخلل.

-  ملاحظات مهمة ومشاهدات مؤثرة.

-  توقيع صاحب التقرير.

خامسًا: نماذج لبعض الأعمال الإدارية ووسائل متابعتها:

- نحتاج أن ننمي الرقابة الذاتية داخل العمل التطوعي، فالمسلم حين يسمع قول الله عز وجل: "إن الله كان عليكم رقيبًا"، وقوله تعالى: "وكان الله بما تعملون بصيرًا"، وقوله صلى الله عليه سلم: "كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته"؛ يستشعر أهمية ذلك.

- ونحتاج للتذكير بوظيفة العمر، وهي العبودية لله تبارك وتعالى، وأن الإنسان سوف يُسأَل عن أعماله وأفعاله وأقواله، وأنه ينبغي أن يُحَاسِب نفسه قَبْل أن يقفَ بين يدي الله سبحانه وتعالى.

كيف أتابع الأعمال الناشئة وفِرَق العمل الصغيرة؟

مع فريق عمل صغير مثلًا يقوم بنشاطٍ محدودٍ؛ ففي هذه الحالة أنسب وسيلة لمتابعته هي السؤال المباشر في الجلسات الإدارية، وصرف المجهود الأكبر نحو التنفيذ والانتشار.

إذا كنت أتابع العديد من الجلسات الإدارية؛ فكيف أتابعها؟

- متابعة محاضر الجلسات، ومعرفة الحضور والغياب، وقراءة التوصيات، وتحليل مخرجاتها، وينبغي التنبيه أن تكون محاضر الجلسات مختصرة.

- يمكن تنظيم زيارة بين الحين والآخر، وحضور بعض الجلسات الإدارية.

- متابعة أرشيف التكليفات ونسبة الإنجاز فيها.

متابعة الأعمال والأنشطة المتكررة:

الأعمال الاعتيادية والروتينية ككلمات المساجد، وكتاتيب تحفيظ القرآن وانتظام الأئمة، وبرنامج العمل في رمضان مثلًا، فالأنسب لها طريقة السجلات، ووضع جدول متفق عليه يملأ بشكل مستمر حتى انتهاء العمل؛ حبذا لو استخدمنا التقنيات الحديثة في تسجيل ذلك عن طريق النت، وسلبية ذلك: أنها ترصد إنجاز الأعمال دون التطرُّق لجودتها.

- الأعمال الكبيرة والمتشعبة، فتتابع بكل ما سبق؛ بالإضافة إلى كتابة التقارير الوافية، والتي نرصد فيها أي انحراف، والمسارعة في تصحيح مساره، مثل: حملة مِن الحملات الكبرى، كـ"مكافحة الإباحية".

الأعمال التي لها طابع علمي:

-  وضوح المنهج العلمي وتقسيمه وَفْق إطار زمني.

- متابعة جدول الحضور والغياب.

- الاختبارات الدورية والتي نرصد من خلالها مدي تحصيل الطلاب وقدرة المدرس على إيصال المعلومة.

- المسابقات البحثية والتي تساعدنا على معرفة الكفاءات النوعية.

وللحديث بقية بإذن الله.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

 

الكلمات الدلالية