الأحد، ١١ جمادى أول ١٤٤٤ هـ ، ٠٤ ديسمبر ٢٠٢٢
بحث متقدم

الجمال في الكون ودلالته على الخالق

الجمال في الكون ودلالته على الخالق
الأربعاء ٠٧ سبتمبر ٢٠٢٢ - ١٧:١٧ م
24

الجمال في الكون ودلالته على الخالق

كتبه/ إيهاب شاهين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فكثيرة هي الأدلة التي تدل على وجود الخالق سبحانه وتعالى؛ أدلة فطرية وعقلية، وشرعية، وحسية، كما أخبر الله سبحانه وتعالى: "سَنُريهِم آياتِنا فِي الآفاقِ وَفي أَنفُسِهِم حَتّى يَتَبَيَّنَ لَهُم أَنَّهُ الحَقُّ أَوَلَم يَكفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شَيءٍ شَهيدٌ". 

وكما قال الشاعر: 

وفي كل شيء له آية              تدل على أنه الواحد

فيا عجبًا كيف يعصى الإله                 أم كيف يجحده الجاحد؟! 

فلو تدبر الإنسان ما في خلق الكون من جمال وإبداع؛ لأدرك عظمة هذا الخلق، ومِن ثَمَّ عظمة خالقه، وفي هذا المقال سوف نبيِّن من خلال التركيز على آية في الكون، وهي الجمال المنثور في هذا الكون العظيم، وكيف يدل على وجود الخالق سبحانه وتعالى.

تعريف الجمال:

الجمال: صفة موضوعية موجودة في الكون وليست نتاج انطباع بعض الأشياء على ذائقة الإنسان، وأنه صفة موضوعية في النظريات والقوانين التي تعبِّر عن الكون وتربط بين مفرداته.

مظاهر الجمال في كون الله سبحانه وتعالى:

تأمل -مثلًا- السماء الزرقاء الواسعة الشاسعة، وما زال الله يوسعها كما قال تعالى عن السماء: "وإنا لموسعون"، وكيف أن الله تعالى رفعها بلا عمدٍ مرئي، وزيَّنها بالنجوم، قال تعالى: "وزيناها للناظرين".

وانظر إلى الأرض وما أودع الله فيها من نباتات مختلفة الألوان التي تبعث في النفس بهجة وسعادة؛ قال تعالى: "أَفَلَم يَنظُروا إِلَى السَّماءِ فَوقَهُم كَيفَ بَنَيناها وَزَيَّنّاها وَما لَها مِن فُروجٍ . وَالأَرضَ مَدَدناها وَأَلقَينا فيها رَواسِيَ وَأَنبَتنا فيها مِن كُلِّ زَوجٍ بَهيجٍ . تَبصِرَةً وَذِكرى لِكُلِّ عَبدٍ مُنيبٍ"، فتبدأ الآيات بالنظر والتفكر، ثم بتقرير الجمال، لتنتهي بالتبصير والذكرى بالحقيقة الواضحة عن الخالق، والتي تستلزم إسلام النفس له بالعبودية والإنابة إليه.

ومع هذه الفوائد للجمال في الأحياء والجمادات، إلا أن قدر الجمال الموجود في هذا الكون كثيرٌ ومتنوع إلى درجة أن الإنسان يظل حائرًا، ويسأل سؤالًا متكررًا: كيف تم ذلك الجمال بهذا التناسق والتناغم الذي ليس له مثال سابق؟! إنه الله الواحد الأحد، فاطر السماوات والأرض ومبدعهما على غير مثال سابق، كما أن وجود الجمال وشعور الإنسان به وانجذابه إليه يساعد على اكتشاف وفهم قوانين الكون! حتى قرَّر بعض علماء العلوم الطبيعية أن الجمال مع كونه مِن دوافع الشغف العلمي يهدي للحقائق العلمية، لكونه جزءًا أصيلًا في بنية الكون في كل مستوياته، حتى إنه يلفت انتباه العالم لاكتشاف الحقيقة في المعادلات الرياضية التي يرى المختصون جمالًا في صياغتها، والتي لا تكون أبدًا من صنع إنسان، وقد دلَّ جمال الكون كثيرًا من الفلاسفة والمستشرقين إلى وجود الخالق عز وجل.

ماذا قال المستشرقون والفلاسفة عن جمال الكون وانتظامه؟

قال أفلاطون: إن العالم آية في الجمال والنظام، ولا يمكن أن يكون هذا نتيجة علل اتفاقية، بل هو صنع عاقل، توخى الخير، ورتَّب كل شيء عن قصد وحكمة.

وقال ديكارت: إنِّي مع شعوري بنقصٍ في ذاتي، أُحسُّ في الوقت نفسه بوجود ذاتٍ كاملة، وأراني مضطرًّا إلى اعتقادي؛ لأنَّ الشعور قد غَرَسَتْه في ذاتي تلك الذات الكاملة المتحليَّة بجميع صفات الكمال، وهي الله.

وقال أناكساغورس -أحد فلاسفة اليونان الأوائل-: من المستحيل على قوة عمياء أن تبدع هذا الجمال وهذا النظام الذي يتجلى في هذا العالم؛ لأن القوة العمياء لا تنتج إلا الفوضى، فالذي يحرك المادة هو عقل رشيد، بصير حكيم.

وقال ديكارت أيضًا: أنا موجود، فمَن أوجدني؟ ومَن خلقني؟ إنني لم أخلق نفسي، فلا بد لي من خالق، وهذا الخالق لا بد أن يكون واجب الوجود، وغير مفتقر إلى مَن يوجده، أو يحفظ له وجوده، ولا بد أن يكون متصفًا بكلِّ صفات الجمال، وهذا الخالق هو الله بارئ كل شيء.

وقال باسكال: إن إدراكنا لوجود الله هو من الإدراكات الأولية التي لا تحتاج إلى جدل البراهين العقلية، فإنه كان يمكن أن لا أكون لو كانت أمي ماتت قبل أن أولد حيًّا، فلست إذًا كائنًا واجب الوجود، ولست دائمًا ولا نهائيًّا؛ فلا بد من كائن واجب الوجود، دائم لا نهائي، يعتمد عليه وجودي، وهو الله الذي ندرك وجوده إدراكًا أوليًّا، بدون أن نتورط في جدل البراهين العقلية، ولكن على الذين لم يقدر لهم هذا الإيمان القلبي أن يسعوا للوصول إليه بعقولهم.

وبهذه الثلة من أقوال هؤلاء الفلاسفة وبما سبق من أدلة عقلية جلية، يتبيَّن: أن الإيمان بوجود الخالق قضية ضرورية بديهية مركوزة في النفس والعقل لا يخالطها ريب ولا شك، ولا تحتاج لبرهان إلا لمَن فسدت فطرته، ويمتلك المؤمن -من خلال ذلك- نظرة متسقة للكون والحياة؛ فالجمال بما فيه مِن إبداع، داخل في إيمانه بوجود خالق حكيم عليم على كل شيء قدير.

الآثار المترتبة على معرفة الجمال ومعانيه: 

يلاحظ الإنسان آثار كمال الخالق من خلال مخلوقاته؛ فيرجو رحمته، ويتعلق قلبه به سبحانه، ويتحصل المؤمن على نظرة متفائلة للحياة من خلال إدراكه أن الجمال في هذا الكون هو الأصل، وأن غير ذلك استثناء يكون لحكمة بالغة، بل إنه يعلم أن هذا الاستثناء القليل دليل على غلبة الأصل الجميل، فبضدها تتبين الأشياء.

وأخيرًا: فالذي يتفكَّر بعقله في غاية وجود الجمال وكثرته وعظمته في الخلق، لا بد له بذلك من شهود حكمة عظيمة في هذا الخلق الرائع؛ فيقوده ذلك لا محالة إلى الإيمان بالخالق المبدع سبحانه وتعالى. 

والحمد لله رب العالمين.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة