الثلاثاء، ٩ ربيع أول ١٤٤٤ هـ ، ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٢
بحث متقدم

تَعَجَّلوا بركة العلم

تَعَجَّلوا بركة العلم
السبت ١٧ سبتمبر ٢٠٢٢ - ١٠:٣٠ ص
18

تَعَجَّلوا بركة العلم


كتبه/ أحمد شهاب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

ففي مشهد مؤثر متكرر يجتمع الناس في جنازة تجتمع فيها الأحزان، فهي جنازة شابٍ صغير، وهو شابٌ متدين محبوب يألَف ويُؤلَف، ثم هو فوق ذلك طالب علم نبيه؛ تعب في بنائه شيوخٌ وآباء، وكانوا يبنون عليه طموحات وآمال، لكن وبشكل مفاجئ عاجلته المنية في سنٍّ صغير، وقَدَر الله غالب، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

وهنا تنقسم الصورة إلى قسمين:

فهناك مَن وَفَّقه الله إلى معاجلة منيته بعمل صالح يبقى أثره من بعده، وبارك الله له في عمره ووقته، فأفاد وأجاد، وعلَّم وصنَّف، ودعا فلانًا وربَّى فلانًا، وأحسن إلى فلان، وشجَّع فلانًا، ووجَّه فلانًا، إلخ، فكان مباركًا حيثما حلَّ، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والحمد لله أولًا وآخرًا.

وهناك مَن أخَّر وأجَّل وسوَّف حتى مات وعلمه في صدره، لم يفد بها أحدًا ولا كان له أثر، فمات علمه بموته، واندثر كل ما كان، وقد جعل الله لكل شيء قدرًا؛ ولذا يأتيك هذا التحذير من سفيان: تعجلوا بركة العلم، ليُفد بعضكم بعضًا، فإنكم لعلكم لا تبلغون ما تؤملون.

وما أصعب هذه الكلمة على النفوس: (فإنكم لعلكم لا تبلغون ما تؤملون)، لكنها الحقيقة المُرَّة: أن الموت يأتي في أي وقت وبدون سابق إنذار.

نعوذ الله من موت الفجأة، ونسأله حسن الخاتمة.

فلنتعجل قطف الثمرة قبل فوات الأوان.

روي عن أبي موسى الأشعري أنه قال: مَن كان عنده علم فليعلمه الناس، وإن لم يَعلَم فلا يقولن ما ليس له به علم، فيكون من المتكلفين ويمرق من الدين.

وعن جعفر بن برقان قال: كتب إلينا عمر بن عبد العزيز، وقال في كتابه: (ومُرْ أهل الفقه من جندك؛ فلينشروا ما علَّمهم الله في مساجدهم ومجالسهم).

وقال ابن الجوزي: (ينبغي لمَن ملك كتابًا أن لا يبخل بإعارته لمن هو أهله، وكذلك ينبغي إفادة الطالبين بالدلالة على الأشياخ وتفهيم المشكل، فإن الطلبة قليل وقد عمهم الفقر، فإذا بخل عليهم بالكتاب والإفادة كان سببًا لمنع العلم).

وقال وكيع: أول بركة الحديث إعارة الكتب.

وعن ابن القاسم قال: كنا إذا ودعنا مالكًا يقول لنا: اتقوا الله وانشروا هذا العلم وعلموه ولا تكتموه.

ولنا قدوة وأسوة في النووي، والحافظ ابن عبد الهادي، وحافظ حكمي، وغيرهم من أصحاب المؤلفات المباركة على صغر سنهم حين الوفاة.

وقبل هؤلاء عمر بن عبد العزيز الذي يضرب به المثل في العدل، فأقام الله به الحجة على ملوك الأرض، وأقام به الدين والدنيا مع أنه مات قبل بلوغ الأربعين بيسير.

وقبل كل هؤلاء هذان النموذجان الباهران: مصعب بن عمير من المهاجرين، وسعد بن معاذ من الأنصار.

وكل نموذج من هؤلاء وغيرهم يحتاج لبسط في الحديث ليس مجاله الآن، لكن القصد التنبيه.

وفي المقابل: فمن بخل بعلمه وتكاسل وسوَّف فلا يلومن إلا نفسه.

قال ابن المبارك: مَن بخل بالعلم ابتلي بثلاث: إما أن يموت فيذهب علمه أو ينساه أو يتبع السلطان.

وقال أحمد لابنه عبد الله: أفد أصحاب الحديث وأكرمهم، فإن فلانًا لم يكن يفيد أصحاب الحديث ويجفوهم، فلم يفلح.

وليس المراد: التصدر قبل التمكن، ولا التعالم المذموم، ولا التطلع لما ليس الشخص أهلًا له، وإنما القصد أن نبلِّغ عن الله ورسوله ما تعلمناه وتحملناه، وننشر الخير في كلِّ مكان، ونأمر بالمعروف بضوابطه، ونصلح قدر الطاقة، مع التوازن بين العلم والعمل، والتحصيل والإفادة، والبناء والحركة، فالمطلوب هو الانشغال بواجب الوقت في ضوء الإمكانيات والمهارات والاحتياجات والرغبات والميول، مع ترتيب الأولويات والعمل المستمر المتوازن، والتوفيق بيد الله وحده.

فاللهم اهدنا ووفقنا وسددنا، ودبِّر لنا، وقنا شر نفوسنا.

اللهم إنا نعوذ بك من العجز والكسل.

اللهم ابسط علينا من بركاتك ورحمتك ورزقك وفضلك.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com


الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة