الأحد، ١١ جمادى أول ١٤٤٤ هـ ، ٠٤ ديسمبر ٢٠٢٢
بحث متقدم

وقفات مع حديث الكفالة (1)

وقفات مع حديث الكفالة (1)
الثلاثاء ٢٧ سبتمبر ٢٠٢٢ - ١٠:٠١ ص
15

وقفات مع حديث الكفالة (1)

كتبه/ محمد سعيد الشحات

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد روى البخاري عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ أَنَّهُ ذَكَرَ: "أنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ، فَقَالَ: ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: ‌كَفَى ‌بِاللهِ ‌كَفِيلاً، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى. فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ التَمَسَ مَرْكَبًا يَرْكَبُهَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الذِي أَجَّلَهُ، فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا، فَأَخَذَ خَشَبَةً فَنَقَرَهَا، فَأَدْخَلَ فِيهَا أَلْفَ دِينَارٍ وَصَحِيفَةً مِنْهُ إِلَى صَاحِبِهِ، ثُمَّ زَجَّجَ مَوْضِعَهَا، ثُمَّ أَتَى بِهَا إِلَى البَحْرِ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَعْلَمُ أَنِّي كُنْتُ تَسَلَّفْتُ فُلانًا أَلْفَ دِينَارٍ، فَسَأَلَنِي كَفِيلاً، فَقُلْتُ: ‌كَفَى ‌بِاللهِ ‌كَفِيلاً، فَرَضِيَ بِكَ، وَسَأَلَنِي شَهِيدًا، فَقُلْتُ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا، فَرَضِيَ بِكَ، وَأَنِّي جَهَدْتُ أَنْ أَجِدَ مَرْكَبًا أَبْعَثُ إِلَيْهِ الذِي لَهُ فَلَمْ أَقْدِرْ، وَإِنِّي أَسْتَوْدِعُكَهَا، فَرَمَى بِهَا فِي البَحْرِ حَتَّى وَلَجَتْ فِيهِ، ثُمَّ انْصَرَفَ وَهُوَ فِي ذَلِكَ يَلْتَمِسُ مَرْكَبًا يَخْرُجُ إِلَى بَلَدِهِ.

 فَخَرَجَ الرَّجُلُ الَّذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، يَنْظُرُ لَعَلَّ مَرْكَبًا قَدْ جَاءَ بِمَالِهِ، فَإِذَا بِالخَشَبَةِ التِي فِيهَا المَالُ، فَأَخَذَهَا لأَهْلِهِ حَطَبًا، فَلَمَّا نَشَرَهَا وَجَدَ المَالَ وَالصَّحِيفَةَ، ثُمَّ قَدِمَ الذِي كَانَ أَسْلَفَهُ، فَأَتَى بِالأَلْفِ دِينَارٍ، فَقَالَ: وَاللهِ مَا زِلْتُ جَاهِدًا فِي طَلَبِ مَرْكَبٍ لآتِيَكَ بِمَالِكَ، فَمَا وَجَدْتُ مَرْكَبًا قَبْلَ الذِي أَتَيْتُ فِيهِ. قَالَ: هَلْ كُنْتَ بَعَثْتَ إِلَيَّ بِشَيْءٍ؟  قَالَ: أَلَمْ أُخْبِرْكَ أَنِّي لَمْ أَجِدْ مَركَبًا قَبْلَ هَذَا الذِي جِئْتُ فِيهِ. قَالَ: فَإِنَّ اللهَ قَدْ أَدَّى عَنْكَ الذِي بَعَثْتَ فِي الخَشَبَةِ؛ فَانْصَرِفْ بِالأَلْفِ دِينَارِ رَاشِدًا".

فهذه قصة عظيمة عَجِيبَة حَصَلَت بَينَ رَجُلَينِ مِن بَنِي إِسرَائِيلَ، فهي من الإسرائيليات -أي: مِن أخبار بني إسرائيل-، والإسرائيليات على أقسام، وهذه القصة التي نحن بصددها من القسم الصحيح؛ إذ إنَّ الذي أخبر بها هو النبيُّ صلى الله عليه وسلم بالسند الصحيح إليه، والنبيُّ ساقها لنا مَسَاقَ المدح لفاعله؛ لذلك نحن نحتجُّ بها ونستخرجُ منها الفوائد والعِبَر، وشرعُ مَن قبلنا شرعٌ لنا ما لم يرِد في شرعنا ما يخالفه أو ينسخه.

عِظَم أجر من يُقرض الناس:

 ذَكَرَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم: "أنَّ رَجُلاً مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، سَأَلَ بَعْضَ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يُسْلِفَهُ أَلْفَ دِينَارٍ"، وفي روايةِ ابن حبان: "كَانَ رَجُلٌ يُسْلِفُ النَّاسَ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ"، وفي هذا جَوَازُ الاِقْتِرَاضِ عِنْدَ الحَاجَةِ، غَيْرَ أَنَّ البُعْدَ عَنِ الدَّيْنِ أَوْلَى، فَإِنَّهُ هَمُّ بِالَّليْلِ وذُلٌّ بِالنَّهَارِ، وَاستَعَاذَ النَّبِيُّ مِنْ ضِلَعِ الدَّيْنِ، وَكَانَت العَرَبُ تَقُولُ: "لا هَمَّ إِلا هَمَّ الدَّيْنِ".

ومِثلُ هذا الرجل الدَّائِن له أجرٌ عظيم عندنا في الإسلام، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "جِيء برجُلٍ يومَ القيامَةِ، فقالتْ الملائكةُ: هَلْ عَمِلْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ فَقَالَ: لا، قَالُوا: تَذَكَّرْ، قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَآمُرُ فِتيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا ‌الْمُوسِرِ، وَيَتَجَاوَزُوا عَنِ الْمُعْسِرَ، فَقَال: نَحْنُ أَوْلَى بِذَلِكَ مِنْكَ، تَجَاوَزُوا عَنْ عَبْدِي؛ فَغُفِرَ لَهُ"، وقال: "مَنْ ‌أَنْظَرَ ‌مُعْسِرًا أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللهُ فِي ظِلِّهِ"، وقال: "مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا، نَفَّسَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ".

‌كَفَى ‌بِاللهِ ‌كَفِيلًا:

 قال النبيُّ صلى الله عليه وسلم عن الرجلِّ صاحبِ المال: "ائْتِنِي بِالشُّهَدَاءِ أُشْهِدُهُمْ، فَقَالَ: كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا، قَالَ: فَأْتِنِي بِالكَفِيلِ، قَالَ: ‌كَفَى ‌بِاللهِ ‌كَفِيلاً، قَالَ: صَدَقْتَ، فَدَفَعَهَا إِلَيْهِ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى"، وفي رواية ابن حبان: "ائْتِنِي بِوَكِيلٍ، قَالَ: اللهُ وَكِيلِي، فَقَالَ: سُبْحَانَ اللهِ، نَعَمْ، قَدْ قَبِلْتُ اللهَ وَكِيلاً".

فقولُ الرجل: "ائتني بشهيد"، "ائتني بكفيل"؛ هذا حَقُّهُ، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ"؛ لأنَّ هذا يحفظ الحقوق والأموال، وبعض العلماء ذهب إلى وجوب كتابة الدَّين، وجمهور العلماء على أن الكتابة مستحبة، لكن هنا لَمَّا قال له المدِين: "كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا"، "كَفَى بِاللَّهِ كَفِيلًا" عظَّم صاحبُ المالِ ربَّ العالمين لَمَّا ذُكر اسمُهُ عنده، فقال: "صَدَقْتَ"، وفي رواية ابن حبان قال: "سُبْحَانَ اللهِ، نَعَمْ، قَدْ قَبِلْتُ اللهَ وَكِيلًا"، وهذا دليلٌ على قوة إيمانه؛ لأنه أعطاهُ ألف دينارٍ بغير مُستند، وهذه قاعدةٌ في المعاملات: (الالتزام بآداب الدِّين يريحُ كِلا الطرفين).

سبحان مُسبِّب الأسباب:

 قال النبي صلى الله عليه وسلم: "فَخَرَجَ فِي البَحْرِ فَقَضَى حَاجَتَهُ، ثُمَّ الْتَمَسَ مَرْكَبًا يَقْدَمُ عَلَيْهِ لِلأَجَلِ الَّذِي كَانَ أَجَّلَهُ؛ فَلَمْ يَجِدْ مَرْكَبًا"، وفي رواية ابن حبان: "فَرَكِبَ الْبَحْرَ بِالْمَالِ لِيَتَّجِرَ فِيهِ، وَقَدَّرَ اللهُ أَنْ حَلَّ الأَجَلُ، وَارْتَجَّ الْبَحْرُ بَيْنَهُمَا"، وفي رواية البزَّار: "وَارتَفَعَ البَحْرُ"، وفي رواية: "فَحَبَسَتْهُ الرِّيحُ":

وهنا أمران:

 الأول: أنَّ الله تعالى يُسبِّبُ الأسباب، وهذا واضحٌ جدًّا في الروايات: "وَارتَجَّ الْبَحْرُ بَيْنَهُمَا"، "وَارتَفَعَ البَحْرُ"، "فَحَبَسَتْهُ الرِّيحُ"، فالله عز وجل أراد أن يُظهِر إيمان الرجلين؛ فسبَّبَ هذه الأسباب، حتى إنَّ أبا هريرة قال -كما في رواية ابن حبان-: "فَلَقَدْ رَأَيتُنَا يَكْثُرُ مِرَاؤُنَا وَلَغَظُنَا عِنْدَ رَسُولِ اللهِ بَيْنَنَا: أيُّهُمَا آمَنُ؟".

الثاني: هذا الرجل كَبُرَ عليه جدًّا ألا يجد مركبًا؛ وبدأ الوقت يمُرُّ، وصاحب الدَّين ينتظر ويسأل عنه، كما في رواية البزار: "وَغَدَا ربُّ المالِ يَسألُ عَن صَاحِبِهِ كَمَا كانَ يَسألُ، فيقولُ الذينَ يسأَلُهم عَنه: ‌تركْناهُ ‌بقريةِ ‌كَذا وكَذا، فقالَ ربُّ المالِ: اللهمَّ إنَّما أَعطيتُه لكَ"، إذًا فهو يأتي كلَّ يوم إلى الشاطئ ويسأل عنه، وأُغلِقت أمام المدِين كل الأبواب؛ لذلك لجأ إلى ما يفعله أهل التقوى والورع الذين يعتقدون أنَّ العبد إذا استقام على أمر الله؛ سخَّر الله له مِن أسباب الكون ما شاء؛ فعَمَدَ هذا المؤمن المدين إلى شيءٍ لا يفعله أحدٌ أبدًا...

وللحديث بقية إن شاء الله.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة