الأربعاء، ٧ جمادى أول ١٤٤٤ هـ ، ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٢
بحث متقدم

(مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا)

(مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا)
الأربعاء ١٩ أكتوبر ٢٠٢٢ - ١١:٣٣ ص
39

 

)مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا(

كتبه/ طلعت مرزوق

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال الله تعالى: "وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا ‌وَمِنْكُمْ ‌مَنْ ‌يُرِيدُ ‌الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ" .

- فقوله تعالى: "وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ": أيها الـمؤمنون من أصحاب مـحمد صلى الله عليه وسلم بأُحُد.

- (وَعْدَهُ): الذي وعدكم علـى لسان رسوله مـحمدٍ صلى الله عليه وسلم، والوعد هو قوله للرماة: "اثْبُتُوا مَكانَكُمْ وَلا تَبْرَحُوا وَإنْ رأيْتُـمُونا قَدْ هَزَمْناهُمْ، فإنَّا لَنْ نَزاَلَ غالبـينَ ما ثَبَتُّـمْ مَكانَكُمْ" ، وكان وعدهم رسول الله صلى الله عليه وسلم النصر يومئذٍ إن انتهوا إلـى أمره.

- "إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ": أي: تقتلون المشركين.

"حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ": يعني بذلك الرماة الذين كان أمرهم الرسول بلزوم مركزهم ومقعدهم من فم الشعب بـأُحد.

- (مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ): من النصر والظفر بـالـمشركين.

- (مِنكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا): الذين أرادوا الغنـيـمة.

(وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ): الذين قالوا: نطيع رسول الله ونثبت مكاننا.

فكان ابن مسعود يقول: "ما شعرتُ أن أحدًا من أصحاب الرسول كان يريد الدنـيا وعَرَضها حتـى كان يوم أُحد".

(ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ): صرف القوم عنهم، فقُتِلَ من الـمسلـمين بعدّةِ من أسروا يوم بدر، وقُتِلَ عمّ رسول الله، وكُسِرت ربـاعيته، وشجّ فـي وجهه، وكان يـمسح الدم عن وجهه، ويقول: "كَيْفَ يُفْلِـحُ قَوْمٌ فَعَلُوا هَذَا بِنَبِـيِّهِمْ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلـى رَبِّهِمْ؟"، فنزلت: "لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ" الآية .  

(وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ): ولقد عفـا الله أيها الـمخالفون أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، والتاركون طاعته، فـيـما تقدَّم إلـيكم من لزوم الـموضع الذي أمركم بلزومه عنكم، فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتـيتـموه عما هو أعظم مـما عاقبكم به من هزيـمة أعدائكم إياكم، وصرف وجوهكم عنهم إذ لـم يستأصل جمعكم.

(وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ): بعفوه لهم عن كثـير ما يستوجبون به العقوبة علـيه من ذنوبهم؛ فإن عاقبهم علـى بعض ذلك، فهو ذو إحسان إلـيهم بجميـل أياديه عندهم؛ روى البخاري رحمه الله تعالى عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: "لَقِينَا المُشْرِكِينَ يَومَئذٍ، وأَجْلَسَ النبيُّ جَيْشًا مِنَ الرُّمَاةِ، وأَمَّرَ عليهم عَبْدَ اللَّهِ، وقالَ: لا تَبْرَحُوا، إنْ رَأَيْتُمُونَا ظَهَرْنَا عليهم فلا تَبْرَحُوا، وإنْ رَأَيْتُمُوهُمْ ظَهَرُوا عَلَيْنَا فلا تُعِينُونَا فَلَمَّا لَقِينَا هَرَبُوا حتَّى رَأَيْتُ النِّسَاءَ يَشْتَدِدْنَ في الجَبَلِ، رَفَعْنَ عن سُوقِهِنَّ، قدْ بَدَتْ خَلَاخِلُهُنَّ، فأخَذُوا يقولونَ: الغَنِيمَةَ الغَنِيمَةَ!

فَقالَ عبدُ اللَّهِ: عَهِدَ إلَيَّ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ أنْ لا تَبْرَحُوا، فأبَوْا، فَلَمَّا أبَوْا صُرِفَ وُجُوهُهُمْ، فَأُصِيبَ سَبْعُونَ قَتِيلًا، وأَشْرَفَ أبو سُفْيَانَ فَقالَ: أفِي القَوْمِ مُحَمَّدٌ؟ فَقالَ: لا تُجِيبُوهُ فَقالَ: أفِي القَوْمِ ابنُ أبِي قُحَافَةَ؟ قالَ: لا تُجِيبُوهُ فَقالَ: أفِي القَوْمِ ابنُ الخَطَّابِ؟ فَقالَ: إنَّ هَؤُلَاءِ قُتِلُوا، فلوْ كَانُوا أحْيَاءً لَأَجَابُوا، فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ، فَقالَ: كَذَبْتَ يا عَدُوَّ اللَّهِ، أبْقَى اللَّهُ عَلَيْكَ ما يُخْزِيكَ، قالَ أبو سُفْيَانَ: اعْلُ هُبَلُ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أجِيبُوهُ قالوا: ما نَقُولُ؟ قالَ: قُولوا: اللَّهُ أعْلَى وأَجَلُّ قالَ أبو سُفْيَانَ: لَنَا العُزَّى ولَا عُزَّى لَكُمْ، فَقالَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أجِيبُوهُ قالوا: ما نَقُولُ؟ قالَ: قُولوا اللَّهُ مَوْلَانَا، ولَا مَوْلَى لَكُمْ قالَ أبو سُفْيَانَ: يَوْمٌ بيَومِ بَدْرٍ، والحَرْبُ سِجَالٌ، وتَجِدُونَ مُثْلَةً، لَمْ آمُرْ بهَا ولَمْ تَسُؤْنِي".

فتأمل قول عبد الله بن مسعود: "ما شعرتُ أن أحدًا من أصحاب النبـيّ صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنـيا وعَرَضها حتـى كان يوم أُحد".

سبحان الله! بعض أصحاب الرسول خير البشر بعد الأنبياء، وفضائلهم لا تخفى على أحدٍ؛ منهم مَن يُريد الدنيا! فكيف بِمَن بعدهم مِمَّن لم يبلغ ما بلغوا مِن الإيمان والعمل؟!

بل كيف بنا في هذه العصور المتأخرة التي فشت فيها الشبهات والشهوات؟!

وأنَّى لنا بقول الله: "وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ"؟!

تعهد قلبك، واسأل ربك الإخلاص والعفو والعافية.

فمع ثبوت المخالفة "وَعَصَيْتُمْ"، ومع كون النصر على المشركين لتكون كلمة الله هي العليا هو الأصل عندهم، "مِّن بَعْدِ مَآ أَرَاكُمْ مَّا تُحِبُّونَ" ابتلاهم الله جميعًا، "ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ"، "وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً"، ثم عفا عنهم "وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ".

قال ابن رجب رحمه الله: "واعلم أن العمل لغير الله أقسام: فتارة يكون رياءً محضًا... وهذا العمل لا يشك مسلم أنه حابط، وأن صاحبه يستحق المقت من الله والعقوبة. وتارة يكون العمل لله، ويشاركه الرياء، فإن شاركه من أصله فالنصوص الصحيحة تدل على بطلانه وحبوطه أيضًا... وأما إن كان أصل العمل لله ثم طرأت عليه نية الرياء؛ فإن كان خاطرًا ودفعة فلا يضره بغير خلاف.

فإن استرسل معه، فهل يحبط عمله أم لا يضره ذلك ويجازى على أصل نيته، في ذلك اختلاف بين العلماء من السلف قد حكاه الإمام أحمد وابن جرير الطبري، ورجحا أن عمله لا يبطل بذلك، وأنه يجازى بنيته الأولى، وهو مروي عن الحسن البصري وغيره.

وذكر ابن جرير: أن هذا الاختلاف إنما هو في عمل يرتبط آخره بأوله، كالصلاة والصيام والحج ؛ فأما ما لا ارتباط فيه كالقراءة والذكر، وإنفاق المال ونشر العلم، فإنه ينقطع بنية الرياء الطارئة عليه، ويحتاج إلى تجديد نية... فأما إذا عمل العمل لله خالصًا، ثم ألقى الله له الثناء الحسن في قلوب المؤمنين بذلك، ففرح بفضل الله ورحمته، واستبشر بذلك، لم يضره ذلك... وبالجملة فما أحسن قول سهل بن عبد الله التُّستري: ليس على النفس شيء أشق من الإخلاص؛ لأنه ليس لها فيه نصيب!

وقال يوسف بن الحسين الرازي: أعزّ شيء في الدنيا الإخلاص، وكم أجتهد في إسقاط الرياء عن قلبي، وكأنه ينبت فيه على لون آخر. وقال ابن عيينة: كان من دعاء مطرِّف بن عبد الله: اللهم إني أستغفرك مما تبت إليك منه، ثم عدت فيه. وأستغفرك مما جعلته لك على نفسي، ثم لم أوف لك به. وأستغفرك مما زعمت أني أردت به وجهك، فخالط قلبي منه ما قد عملت" (جامع العلوم والحكم).

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com


الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة