الأربعاء، ٧ جمادى أول ١٤٤٤ هـ ، ٣٠ نوفمبر ٢٠٢٢
بحث متقدم

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (2)

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (2)
الثلاثاء ٠١ نوفمبر ٢٠٢٢ - ١٠:٤٧ ص
22

 

فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا (2)

كتبه/ أشرف شريف

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقوله تعالى: "فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا"؛ أي: دين الإسلام، دين التوحيد. وقيل: هي: الحال التي خَلَق الله الناس عليها من القابلية للحق، والتهيؤ لإدراكه، وبذا تكون إشارة من الله سبحانه إلى ما فَطَر، أي: أبدع وركَّز في الناس من معرفته، ففطرةُ الله ما رُكِّز من القوة المُدْرِكة لمعرفته سبحانه وتوحيده، وهو المشار إليه بقوله تعالى: "وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ".

وانتصابُ (فطرتَ) على الإغراءِ، أي: الزموا فطرةَ الله، فَإِنَّ اللَّهَ فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهِ وعلى توحيده، وأخذ عليهم الميثاق بذلك، قال تعالى: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ . وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ"، والأليق بالمعنى والأنسب أن تكون (فطرتَ) منصوبة على أنها: بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ "حَنِيفًا"؛ فَهُوَ فِي مَعْنَى الْحَالِ مِنَ الدِّينُ أَيْضًا، وَهُوَ حَالٌ ثَانِيَةٌ.

قال الطاهر بن عاشور في التحرير والتنوير: "وَهَذَا أَحْسَنُ لِأَنَّهُ أَصْرَحُ فِي إِفَادَةِ أَنَّ هَذَا الدِّينَ مُخْتَصٌّ بِوَصْفَيْنِ، هُمَا: التَّبَرُّؤُ مِنَ الْإِشْرَاكِ، وَمُوَافَقَتُهُ الْفِطْرَةَ، فَيُفِيدُ أَنَّهُ دِينٌ سَمْحٌ سَهْلٌ لَا عَنَتَ فِيهِ".

ومن الحسن أيضًا؛ ما ذكره عبد الكريم يونس الخطيب في التفسير القرآني  بقوله: "وقوله تعالى: "فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها": هو جملة تفسيرية، للدين الحنيف... فـ"فطرت الله"، منصوب بفعل محذوف تقديره: أعنى، أو أريد، أو نحو هذا.. فالدين الحنيف، وهو الإسلام، هو فطرة الله التي فطر الله الناس عليها، وخلقهم على استعداد فطرى لقبول هذا الدين، كما يقول الرسول الكريم: "مَا مِنْ مَوْلُودٍ إِلاَّ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ"، وهذا التأويل -والله أعلم- هو أولى مِن نصب "فطرت الله" على الإغراء؛ لأن ذلك -أي: تقدير الزم على الإغراء- يقطع الصلة بين الدين الحنيف وفطرة الله، ويجعل كلًا منهما كيانًا مستقلاً، على حين يجعلهما التأويل الذي تأولناه، شيئًا واحدًا... وهو الأولى".

قلتُ: ومع حسن ما ذكره الشيخ عبد الكريم من تأويل؛ إلا أن النصب على الإغراء وتقدير فعله ( الزم) لا يلزم منه قطع الصلة بين الدين الحنيف وفطرة الله -كما ظَنَّه-، بل هو مِن التأكيد على المعنى والمفهوم بتكرار الأوامر الدالة على عظمة المأمور به وجلاله، ولعل إيجاز الحذف لعامل الإغراء (الزم) دليل أبلج على هذا التكامل والتأكيد المراد لهذا الأمر الجليل والجلل، وهو إقامة الوجه للدين الذي هو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، وعليه فالمفاضلة هنا بين تأويل حسن وآخر أحسن؛ ولذا ذكر أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره النص على الإغراء بصيغة: "قيل"، وهي لفظة تعني الاحتمال مع كونه مرجوحًا عند الأكثرية، فقال: "ومعنى الآية: إنّ الدّين الحنيفية "فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها". وقيل: نصب على الإغراء".

ومجيء التاء مبسوطة في "فِطْرَتَ" كالصحن المكشوف لا يخفي ما يوضع فيه؛ يدل على أن هذه الفطرة معلومة وبينة واضحة غير مجهولة.

وقوله: "الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا"؛ أَيْ: جَبَلَ النَّاسَ وَخَلَقَهُمْ عَلَيْهَا، أَيْ: مُتَمَكِّنِينَ مِنْهَا. فَحَرْفُ الِاسْتِعْلَاءِ (على) مُسْتَعَارٌ لِتَمَكُّنِ مُلَابَسَةِ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ تَمَكُّنًا يُشْبِهُ تَمَكُّنَ الْمُعْتَلِي عَلَى شَيْءٍ، فهو في استعلاء  يمكنه من الاطلاع على ما يريد كالواقف على مكانٍ عالٍ أو الراكب على جواد يركضه حيث شاء، فاللَّهَ -عز وجل- خَلَقَ النَّاسَ وفطرهم على التوحيد الَّذِي يُسَاوِقُ الْعَقْلَ وَالنَّظَرَ الصَّحِيحَ حَتَّى لَوْ تُرِكَ الْإِنْسَانُ وَتَفْكِيرُهُ، وَلَمْ يُلَقَّنِ اعْتِقَادًا ضَالًّا لَاهْتَدَى إِلَى التَّوْحِيدِ بِفِطْرَتِهِ.

قال القاسمي: "قال المهايمي: ولا يعسر الرجوع إليه؛ لكونه "فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها"؛ أي: لأن عقل كل واحد يدل على أنه حادث يفتقر إلى محدث، ولا دلالة على الافتقار إلى متعدد أبدًا، فالقول بتعدده تغيير للفطرة".

وقوله: "لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ" أي: لِدِينِ اللَّهِ، أو نفيٌ مَعْنَاهُ النهي؛ أي: لَا تُبَدِّلُوا خَلْقَ اللَّهِ، فَتُغَيِّرُوا النَّاسَ عَنْ فِطْرَتِهِمُ الَّتِي فَطَرَهُمُ اللَّهُ عَلَيْهَا، فـ"كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ"، وَفِي رِوَايَةٍ: "عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ؛ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ وَيُمَجِّسَانِهِ"، فما ينبغي أن تبدَّل تلك الفطرة أو تغير، وبذا تكُونُ الجملة الكريمة خَبَرًا بِمَعْنَى الطَّلَبِ، ومثل هذا النسق البديع أوقع في نفس المخاطب وأشد تمكينًا للمعنى؛ إذ الأمر المباشر، فيه نوع من الثقل الذي قد تماري فيه بعض النفوس، وذلك بخلاف الطلب الذي تولد من لفظ خبري، يحمل مع الأمر التوكيد على المطلوب، وضرورة تحققه وترسيخه، مع ما يحمله من التشنيع بأولئك المبدلين والمغيرين، النازحين إلى الشرك وأوحاله، وذرائعه وطرائقه، بتأويلات فاسدة أو تبريرات كاسدة، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: "لَا تَبْدِيلَ لِقَضَاءِ اللَّهِ بِسَعَادَتِهِمْ وَشَقَاوَتِهِمْ".

وللحديث بقية إن شاء الله.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة