الأحد 5 شوال 1442هـ الموافق 17 مايو 2021م

القائمة الرئيسية

Separator
ختمة مرتلة من صلاة التراويح- رمضان 1438ه

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

نعمة الأمن (3)

المقال

Separator
نعمة الأمن (3)
179 زائر
18-03-2021
أحمد مسعود الفقي

نعمة الأمن (3)

كتبه/ أحمد مسعود الفقي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فما زال الحديث موصولًا حول أسباب حصول الأمن على مستوى الفرد والمجتمع، ومن أهم هذه الأسباب:

إقامة شرع الله -عز وجل-:

وذلك ببناء الإنسان؛ عقيدةً وأخلاقًا؛ لأن الأمن لا يتحقق بالقوة بقدر ما يتحقق بتصحيح العقيدة، وتهذيب النفوس، وتطهير الأخلاق، فتترك النفوس الشر والفساد رغبة عنه وكراهية له.

فالعقيدة الصحيحة هي اللبنة الأولى في بناء الإسلام، ولها تأثير كبير على حياة الفرد والمجتمع، وفي حفظ الأمن في المجتمع، فهي تمنع صاحبها مِن ترويع الآمنين، ومِن إشاعة الفوضى والإفساد في الأرض، بل تحضه على حب الخير، وبذل المعروف للناس أجمعين، كما أنها تحرّره من الخوف على الحياة الدنيا؛ لأنه يعلم يقينًا أن الخالق الله، وأن الأمور بيده، وأن الأجل لا يتغير، كما تحرّره مِن الخوف على الرزق، فلا يملك أحدٌ أن ينقص مِن رزق العباد شيئًا، ويعلم بأن العبد قبل أن يُولَد يُكتَب رزقه وأجله وجنسه وشقي أم سعيد، فيطمئن لذلك؛ فلا تنتابه المخاوف.

فعن أنس بن مالك -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنّه قال: (إِنَّ اللهَ -عَزَّ وَجَلَّ- قَدْ وَكَّلَ بِالرَّحِمِ مَلَكًا، فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ نُطْفَةٌ، أَيْ رَبِّ عَلَقَةٌ، أَيْ رَبِّ مُضْغَةٌ، فَإِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يَقْضِيَ خَلْقًا قَالَ: قَالَ الْمَلَكُ: أَيْ رَبِّ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى؟ شَقِيٌّ أَوْ سَعِيدٌ؟ فَمَا الرِّزْقُ؟ فَمَا الْأَجَلُ؟ فَيُكْتَبُ كَذَلِكَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) (متفق عليه).

قال في المنهاج: "ثم المراد بجميع ما ذكر في الحديث من الرزق والأجل، والشقاوة والسعادة، والعمل، والذكورة والأنوثة، أنه يظهر ذلك للملك، ويأمره بإنفاذه وكتابته، وإلا فقضاء الله سابق على ذلك، وعلمه وإرادته لكل ذلك موجود في الأزل، والله أعلم" (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج).

وعن عبد الله بن عمرو بن العاص -رضي الله عنهما- قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: (كَتَبَ اللهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ، قَالَ: وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) (رواه مسلم).

وأيضًا: تغرس في النفس حسن التوكل على الله -عز وجل-، فيعلم العبد أن الله الذي خلقه كافيه كلَّ ما أهمه، قال -تعالى-: (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ) (الطلاق:3)، وعن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَوَكَّلُونَ عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ لَرُزِقْتُمْ كَمَا يُرْزَقُ الطَّيْرُ تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا) (رواه الترمذي، وصححه الألباني)، وتغرس في النفس أيضًا حُسْن التوجه إليه والاعتصام به، فيرزق الهداية والاستقامة كما قال -تعالى-: (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) (آل عمران:101).

ولا شك أن هذا يريح الإنسان كثيرًا في حياته، فلا يخاف إلا الله -عز وجل-، فكم مِن إنسان خاف من غير الله فأصبح شريدًا طريدًا، خاف من غير الله فتحولت حياته إلى جحيم، يخاف من الجن، يخاف من العين، يخاف من قطع الأرزاق؛ يخاف مِن كل شيء!

ومعلوم أن هذا ضعف في الإيمان والتوحيد، والتوكل على الله -تعالى-، قال الله -تعالى-: (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) (آل عمران:175).

أما الأخلاق: فهي مِن أهم عناصر تكوين الفرد المثالي والأسرة السليمة، والمجتمع الراقي والدولة المتقدمة، فهي تعكس ثقافة الأمة وحضارتها، فإذا كان المجتمع يتحلى بالأخلاق الحسنة؛ مِن: الصدق والأمانة، والعدل، وحب الخير للناس، وحفظ الحقوق، واحترام الآخر، فإنه يصير مجتمعًا صالحًا يسود فيه الأمن والأمان، أما إذا كان يتحلى بالأخلاق السيئة من الكذب والخيانة والظلم والغش والفساد، فإنه يصير بطبيعة الحال مجتمعًا فاسدًا ينعدم فيه الأمن، وتضيع فيه الحقوق، وتعم فيه الفوضى، وتنتشر فيه الجرائم.

وفي هذا يقول أحمد شوقي في هذا البيت الذي طالما وجدناه مكتوبًا في كل جدران مؤسساتنا التعليمية:

إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هُمُ ذهبتْ أخلاقُهم ذهبوا

فبقدر ما تعلو أخلاق الأمة بقدر ما تعلو حضارتها وثقافتها وقيمها، والعكس صحيح؛ فالأخلاق هي أساس بقاء الأمم، كما قال الشاعر أحمد شوقي:

وإذا أصيب القوم في أخلاقهم فـأقـم عـليهـم مـأتمًا وعـويلًا

ولذلك نجد أن أكثر الأمم فقدانًا للأمن، هم أكثر الأمم تخليًّا عن العقيدة الصحيحة، وعن الأخلاق الفاضلة؛ فهذه المجتمعات بها أعلى معدلات الجرائم المختلفة من القتل والاغتصاب، والسلب والنهب، والمخدرات، وغيرها من الجرائم.

ولقد شَرَع الله الحدود لحفظ الأمن، ولردع كلِّ مَن تُسول له نفسه زعزعة الأمن في المجتمع، وإشاعة الخوف والفزع والإرهاب بين الناس، فعلى سبيل المثال: شرع الله القِصَاص مِن القاتل حمايةً للنفوس البريئة، وضمانًا للأمن بين الناس، فقال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) (البقرة:178)، وبيَّن -سبحانه- أن في القصاص حياة الناس، فقال -جل في علاه-: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:179).

قال القرطبي -رحمه الله-: "والمعنى: أن القصاص إذا أقيم وتحقق الحكم فيه، ازدجر مَن يريد قتل آخر مخافة أن يقتص منه، فَحَيَيَا بذلك" . وقديمًا قالوا: "القتل أنفى للقتل".

وشرع الله عقوبة الجلد للزاني غير المحصن، والرجم للمحصن؛ ليحفظ على الناس أعراضهم، وليأمن الناس على أنسابهم من الاختلاط، فقال -تعالى-: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) (النور:2).

وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- أن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- صعد المنبر فخطب الجمعة، وكان مما قال -رضي الله عنه-: "إِنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ-، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ، فَكَانَ مِمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ آيَةُ الرَّجْمِ، فَقَرَأْنَاهَا، وَعَقَلْنَاهَا، وَوَعَيْنَاهَا؛ رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَرَجَمْنَا بَعْدَهُ، فَأَخْشَى إِنْ طَالَ بِالنَّاسِ زَمَانٌ أَنْ يَقُولَ قَائِلٌ: وَاللَّهِ مَا نَجِدُ آيَةَ الرَّجْمِ فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَيَضِلُّوا بِتَرْكِ فَرِيضَةٍ أَنْزَلَهَا اللَّهُ، وَالرَّجْمُ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقٌّ عَلَى مَنْ زَنَى إِذَا أُحْصِنَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ، إِذَا قَامَتْ الْبَيِّنَةُ، أَوْ كَانَ الْحَبَلُ، أَوْ الِاعْتِرَافُ" (متفق عليه).

وأمر الله بجلد القاذف الذي لم يأتِ ببينة على صحة ما يقول، وهي: "أربعة شهداء قد رأوا الفعلة كالقلم في المكحلة"، بأن يجلد ثمانين جلدة، ويبقى في المجتمع مردود الشهادة، ساقط العدالة، ويعتبر من الفاسقين ما لم يتب مِن هذه الجريمة النكراء، قال -تعالى-: (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) (النور:4).

فبهذا الحد الرادع تُصان الأعراض البريئة، وتخرس الألسنة البذيئة، ويأمن الناس مِن آثار هذه الجريمة حتى تنتهي نهائيًّا من المجتمع.

وأمر الله بقطع يد السارق؛ هذه اليد الخائنة التي امتدت إلى ما لا يحل لها، وعبثت بالأمن، وروَّعت الآمنين، فكان جزاؤها بترها وتعطيلها عن وظيفتها التي خُلقت من أجلها، وبهذا يتوفر الأمن للمجتمع ويأمن الناس على أموالهم وممتلكاتهم، قال الله -تعالى-: (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (المائدة:38).

وشَرَعَ اللهُ حدَّ قطَّاعَ الطريق الذين يخيفون الناس بالسلاح فيروعونهم، ويغتصبون أموالهم، ويعتدون عليهم، فقال -تعالى-: (إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) (المائدة:33)، وبتطبيق هذه العقوبة تؤمن السبل، وتنتظم المصالح، ويتحقق الأمن في كل مكان.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلِّ اللهم على النبي الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
0 صوت