الجمعة 21 شعبان 1440هـ الموافق 26 أبريل 2019م
051- سورة الذاريات (ختمة مرتلة). د/ ياسر برهامي => ختمة مرتلة من صلاة التراويح- رمضان 1438هـ 046- الحقوق الغير مادية - العزل وتحديد النسل (باب الزواج- فقه السنة). د/ ياسر برهامي => 020- باب الزواج استفسار حول كلام لـ د. (ياسر برهامي) في كتابه: (قصة أصحاب الأخدود)، وجوابه => د/ ياسر برهامى باقي (11) يوم على رمضان => بطاقات دعوية مشروعية الاستمرار في العمل السياسي => عبد المنعم الشحات فقه الصيام وأعمال شهر رمضان (12). د/ باسم عبد رب الرسول => فقه الصيام وأعمال شهر رمضان 018- تابع- منهج تربوي خاص بالنساء. الشيخ/ عصام حسنين => منهج تربوي خاص بالنساء 023- الآيتان (30- 31) ( سورة الكهف- ابن كثير). د/ ياسر برهامي => 018- سورة الكهف 099- تابع- الباب (23) في استيفاء شُبَه النافين للحكمة والتعليل وذكر الأجوبة عنها (شفاء العليل). د/ ياسر برهامي => شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة والتعليل. للإمام/ ابن قيم الجوزية 016- من الفوائد والأثار الإيمانية في رحلة الإسراء والمعراج (وقفات تربوية مع السيرة النبوية). د/ أحمد فريد => وقفات تربوية مع السيرة النبوية (جديد)

القائمة الرئيسية

Separator
(وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). د/ ياسر برهامي

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

برُّ اليوم الواحد!
لماذا نرفض العلمانية؟!
بيان من (الدعوة السلفية) بشأن تصريحات الرئيس الأمريكي حول (الجولان)

الولاء والبراء -5

المادة

Separator
الولاء والبراء -5
766 زائر
07-12-2015
عبد المنعم الشحات

الولاء والبراء (5)

عبد المنعم الشحات

تكلمنا في المرة السابقة على أحد مظاهر الولاء وهو المتابعة ووقفنا عند تعليق واستطراد مهم في هذه المسألة حول مسألة التحالف مع اتجاهات اللادينية أو العلمانية أو غيرها من الهيئات المنابذة للشرع بغرض حماية الدعوة.

يقول: «واعلم أن من أخطر مظاهر الطاعة والمتابعة أن ينخرط الإنسان تحت رياستهم في الأحزاب العلمانية أو الإلحادية كالشيوعية والاشتراكية والقومية الماسونية، ويبذل لها الولاء والحب والنصرة».

هذا مختصر المسألة وبيان المناط الذي يجعل القضية تذم وترفض شرعًا وهو وجود الولاء أو التناصر أو وجود الطاعة المتابعة والتبعية وهذا هو الفرق الرئيسي بين هذه الجزئية - التي تستنكر- وبين مسألة الاستفادة بما عند المشرك - فضلًا عن المبتدع- أو إجابة المشركين إذا ما عرضوا شيئًا يعظمون به حرمات الله - فضلاً عن المبتدعين-.

فالمسلم المتميز بمنهجه وعقيدته لا يقبل إعانة أو مساعدة أو أي صورة من هذه الصور من هيئة أخرى متميزة في منهجها ولا يكون هناك أدنى لبس ولا اشتباه في وجود نوع من أنواع الموافقة في أن هذا المنحرف سواء كان انحراف كفرًا أو بدعة أو نحو هذا.

هل هناك نوع من أنواع الولاء والالتحام؟ أم هناك نوع من أنواع مفاصلة وانتفاع بغير ولاء ولا نحو ذلك؟ هذه القضية.

فهنا نقول أن هنا الطاعة والمتابعة والانخراط تحت راية الكفار أو البدع الشنيعة التي قد يقول بها مسلمون وهي منابذة للإسلام وهناك فرق بين أن تقول ربما يكون عندهم مانع من التكفير ومسألة أن تقبل بالانخراط في هذه الفكرة التي أنت تعتقد أنها فكرة كفرية أو على الأقل أنها أشنع البدع.

يقول: «وكيف يتسنى لمسلم يفهم قضية الولاء والبراء أن يرضى باتباع الكفار والمنافقين مع تصريحهم في أحزابهم وهيئاتهم بأنها لا تقوم على أساس الدين، ولا تفرق بين الناس على أساس الدين، وأن المساواة بين الأديان شرط، والمساواة بين أصحابها أيضًا شرط في مشروعية قيامها أصلاً، ويمعنون في الغي والضلال حين يرفعون شعارات تدل على وحدة الكفر والإيمان تحت راية أحزابهم ويفتخرون بهذا الخزي والخذلان والعياذ بالله

أفيرضى مسلم غيور على إسلامه أن يقف تحت هذه الراية التي مزقت من أجلها عقيدة التوحيد والإيمان ممثلة في قضية الولاء والبراء والحب والبغض؟! أفيقبل تحت أي ظرف من الظرف ولأي مصلحة يظنها أن يقول لأمثال هؤلاء: «أنا منكم وأنتم مني» بدلًا من: «إني برئ مما تعملون»؟!.

كما ذكرنا ننتبه لهذه القضية جيدًا إن أي نوع من أنواع الاعتراض الصريح أو الضمني بمنهج باطل فهذا غير مقبول وهذا يختلف عن الاستفادة من شخص ينتمي بمنهج باطل دون أن يكون هناك اعتراف صريح أو ضمني لهذا الباطل فالمشروع للمسلم أن يقول: «إني برئ مما تعملون» ويتوكل على العزير الرحيم كما أمر الله تعالى.

ودائمًا تجد الآيات الآمرة بالبراءة تأمر بالتوكل لأن الشيطان يحاول أن يغري المسلم بأن لا يلتزم بهذه البراءة تحت دعاوى حماية نفسه أو حماية عقيدته أو دعوته ولذلك ترشد الآيات إلى التوكل كعلاج لهذه الشبة عند الإنسان حينما تعتريه شبة من هذه الشبهات يتوكل على الله تبارك وتعالى كما هو العلاج المشروع لكل أنواع الأسباب المحرمة فالإنسان مثلًا قد يتوهم أن رزقه في سبب محرم فعلاجه أن يتوكل على الله ويتذكر أن الله -عز وجل- هو الرزاق ذو القوة المتين.

أيضًا إذا توهم الإنسان - من باب أولى ثم أولى لأن الدين دين الله تبارك وتعالى وهو الذي تكفل بنصره- فمتى توهم العبد أن حماية الدين لا تتم إلا بسبب محرم فعليه أن يراجع إيمانه ويراجع توكله.

لذلك يقول: «وهل هان عليه إسلامه لدرجة أن يرضى أن يقدم قربانًا لأوثانهم المعاصرة رايته الإسلامية وانتسابه للإسلام؟! فعندهم لا يجوز ولا يمر إلى مجالسهم وهيئاتهم إلا أن يتخلى عن رايته الإسلامية ويرفع أخرى أيا ما كانت يسارًا أو وسطًا إلا راية الإسلام اللهم إنا نبرأ إليك من هذا كله».

يقول الشيخ الشنقيطي : «ومن هدي القرآن للتي هي أقوم: هديه إلى أن الرابطة التي يجب أن يعتقد أنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع، وأن ينادى بالارتباط بها دون غيرها إنما هي دين الإسلام، لأنه هو الذي يربط بين أفراد المجتمع حتى يصير بقوة تلك الرابطة جميع المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى».

يقول: «وإلى من يظنون أن المصلحة في التدسس في صفوف الجاهلية بأحزابها وهياكلها التي تقوم على المبادئ المخالفة لدين الله نسوق هذه العبارة للأستاذ سيد قطب : في «ظلال القرآن».

سبق التنبيه على ما عند سيد قطب : من أخطاء وانحرافات ونذكر هنا بأن سيد قطب : بأنه مر بثلاثة أطور في حياته:

الطور الأول أنه كان أدبيًا فاخرًا ربما يكون عنده قدر من العاطفة الإسلامية ولكن ليس متبنيًا للمنهج الإسلامي ولا واضعًا قضية الدعوة إلى الله نصب عينيه وهذه كانت مرحلة من حياته ثم حدث تحول في حياته ويذكر : سبب ذلك ويقص أقصوصة فيها أن ليس كل ما يحدث من أنواع الفساد ما يكون فسادًا محضًا فكان : كان في طريقه إلى السفر على متن باخرة وكان عليها رجل مبشر فهذا دفع حمية عدد من المسلمين على متن الباخرة أن يتمسكوا بدينهم واستأذنوا القبطان أن يصلوا الجمعة فأذن لهم واحتاروا فيمن يخطب بهم الجمعة فوقع الاختيار على الأستاذ سيد قطب : لأنه درعمي - خريج في كلية دار العلوم وهي كلية فيها دارسات شرعية وتعتني أساساً بدارسات اللغة العربية وفيها بعض الدارسات الشرعية- فلما علموا أنه كذلك فأسندت خطبة الجمعة وكان أول من أنفعل بالخطبة وتأثر بها هو سيد قطب نفسه : ورجع من هذه الرحلة لينضم إلى الصحوة الإسلامية التي كان أظهر فصائلها في ذلك الوقت هم الإخوان المسلمون.

تبنى سيد قطب : أراء الإخوان التي كانت سائدة في ذلك الوقت وانشغل بما كانوا منشغلين به من أنواع محاسن الإسلام والرد على شبهات المستشرقين فيما يتعلق بقضايا المرأة وقضايا النظام الخلافة في الإسلام وقضايا المال حيث كانت أكثر القضايا المطروحة على الساحة والمناهج المختلفة في قضايا توزيع الثروة ونحو ذلك وإن كان في أرائه قدر من الميل إلى الاشتراكية بناءًا على أن هذا كان التيار السائد في ذلك الوقت.

وكتب في ذلك الوقت عددًا كثيرًا من الكتب التي تنتمي لهذه المدرسة الفكرية وفي الواقع أن سيد قطب بروح الأديب توصل إلى أن أي بناء بلا عقيدة لا أساس له وهذه النقطة الأساسية المشتركة بين الفكر السلفي وبين فكر سيد قطب : وهذا الذي جعل قدر من اللبس فقد اقتنع سيد قطب بتأمله الشخصي فليس هو رجلًا عالمًا ثبتًا ولكن بتأمله في القرآن وجد أن قضايا العقيدة مكررة في ثنايا كل الأمور: العبادة والمعاملة والسلوك والصبر على أذى الكافرين فتوصل إلى أهمية العقيدة وقرر هذا الكلام بعبارات في غاية الحسن ولذلك تجد أنه ربما ينقل الكثيرون عنه هذا الكلام في بيان أهمية العقيدة - وإن كان التطبيق الفعلي مختلف تمامًا- فسيد قطب ليس ثبتًا في العقيدة بل تجده أحيانًا تنبو منه عبارات بها شطحات تصوف وعبارات فيها قدح في الصحابة ربما يأتي في بعض مواطن من الآيات ينقل من كتب تفسير أشعرية فينقل قول الأشاعرة.

إذن فهو يتكلم عن أهمية العقيدة كروح عامة ولكن ليس كتفصيل كي نعرف حدود ما يمكن أن يأخذ من الرجل وما يترك، لكن يبقى أنه بصفته أديب ذو عاطفة جياشة يقتنع بفكرة ما فيجيد طرحها ويحسن الاستدلال لها والدفاع عنها. ومن جملة القضايا التي اعتقدها اعتقادًا جازمًا واستوفها شرحًا وبيانا قضية أهمية البناء العقدي لاسيما قضية الولاء والعزة والاعتزاز بالدين وله في ذلك كلمات من أفضل ما يمكن أن يكتب ومن أكثر ما تحتاجه الأمة في فترات الأزمات ولذا كتب في «الظلال» في مواطن كثيرة بعض هذه الأفكار الممتلئة بعزة الإيمان وقد لخص معظمها في كتاب «معالم في الطريق» هذا الكتاب لما خرج إلى الناس استقبلوه استقبال العطشى حتى أنه إلى يومنا هذا يطبع طبعات متعددة جدًا وقيل أنه كان سبب في إعدامه حيث أوصت بعض الجهات بمحاكمة صاحبه وإعدامه وأحيل الكتاب إلى لجنة لتدرسه وبعد إعدامه : جاء التقرير بأنه لا يوجد ما يستدعي إلى إعدام صاحبه.

كان في هذا الكتاب بث لروح الأمل مهما كانت فترات الضعف ومهما كان من ضعف الأسباب فالواقع أن كلامه في هذه المواطن يبقى من أفضل الكلام لكن إيمانه بأهمية العقيدة إيمانه بأهمية استعلاء المسلم على الباطل إيمانه بضرورة أن الإيمان يترجم إلى عمل -لاسيما العمل من أجل الدين- وليس مجرد العبادات القاصرة فكل هذه أفكار ممتازة جدًا وشرعية بلا شك ولكن كل هذه الأفكار ربما نتيجة قلم الأديب وربما نتيجة أمور أخرى تكونت منها تيار فكري - غالب الظن- أنه كان نفسه يعتقد هذا الكلام أو على الأقل كثرة هذه المواطن بطريقة ما أوحت بأن من لا يدين بهذه الأفكار فليس بمسلم أو لا يستحق اسم الإسلام وتم تطوير هذه الفكرة وتأصيلها وتنظيرها على يد محمد قطب وتلامذته بعد ذلك لكن البذرة الأولى كانت عند سيد قطب :.

وقال البعض أنه كان يعني ما يقول بالذات في قضية الغلو في التكفير وقال البعض يقول أنها مثل كل المواطن الأخرى الذي كان فيها أديب يذهل عن لوازم كلامه والأديب من طبيعته لاسيما إن لم يكن متقنًا للأصول أن يقول كلامًا له لوازم هولا يعنيها وإنما فهمت منه.

على أي حال سيد قطب عند من يرون مسألة التحالف مع الأحزاب العلمانية أو نحو هذا شخصية مقبولة جدًا لرصيدها التاريخي وإن كان في نفس الوقت سيرفض أرائه التي تسفه من محاولات الانتصار للإسلام عن طريق أعدائه ولكن يبقى أنه من أقرب من تقام الحجة عليهم به لأنه إلى يومنا هذا معدود كواحد منهم وهم يعتبرونه نتاج دعوتهم ومن ثم فإن كان فهذا واحد ممن اعتنق هذا الفكر يومًا، وإن قلنا أنهم لن يقبلوا كلامه في هذه الجزئية فيكفي أن هذه تجربة مجرب جرب هذا الفكر واقتنع بعدم جدواه أو على الأقل مصادمته للسنن الشرعية والكونية في آن واحد.

ولذا حرص الشيخ أن يكون من ضمن النقول التي ينقلها في هذه القضية نقل عن سيد قطب : لأنها كما ذكرنا من أقرب من تحتج به على من يرى هذا الأمر وفضلًا أنه يعبر عن هذه القضية دائمًا بتعبيرات جيدة كما ذكرنا.

يقول سيد : في «الظلال» :«﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا ظاهر الشرك ولا خافيه» سورة يوسف نزلت تسلية للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لما واجه إعراض قريش ثم خرج إلى الطائف فوجد إعراضًا أشد فشق ذلك على نفسه -صلى الله عليه وسلم- فأنزل الله عليه هذه السورة وهي نمط فريد من نمط القصص القرآني ولذا تجد أن الناس يكونون شغوفين بسماعها وليس من عادة القصص القرآني أن تذكر القصة الواحدة مجموعة بسياقها وترتبيها الزماني ولا تكاد تجد هذا إلا قصة يوسف لأن ملخصها أنه وجد عبر التاريخ من مر بأزمة تلو أخرى تلو أخرى وكانت الأمور تتجه فيما يبدو من مزيد من الأزمات فإذ بها من رحم هذه الأزمات توجد انفرجة تلو أخر تلو أخرى حتى تبلغ ما لم يكن يتخيله أحد.

فهذه القصة روعتها في كمالها وتمامها وختمت بهذه الآيات التي سبق الكلام عليها بالتفصيل في باب «الدعاء إلى شهادة إن لا إله إلا الله» وكأن السورة كان لها غرض رئيسي هو تسلية النبي -صلى الله عليه وسلم- عما لقي من جهد وبلاء والإعلام أنه مهما كان من جهد وبلاء ومهما كان من إعراض وصدود فما زالت الدعوة هي دعوة التوحيد وما زالت الدعوة من أهم سماتها إعلان البراءة التامة من كل ما يخالف هذا المنهج فيقول: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ لا ظاهر الشرك ولا خافيه، هذه طريقي فمن شاء فليتابع، ومن لم يشأ فأنا سائر في طريقي المستقيم.

وأصحاب الدعوة إلى الله لا بد لهم من هذا التمييز، لا بد لهم أن يعلنوا أنهم أمة وحدهم، يفترقون عمن لا يعتقد عقيدتهم، ولا يسلك مسلكهم، ولا يدين لقيادتهم، ويتميزون ولا يختلطون، ولا يكفي أن يدعوا أصحاب هذا الدين إلى دينهم ، وهم متميعون في المجتمع الجاهلي».

هذه هي إحدى المصطلحات التي نشرها سيد قطب : بكثرة كلمة المجتمع الجاهلي وكان هذا نوع من الفرار من الكلام على أحكام الديار بالطريقة الفقهية المحكمة إلى الكلام على وصف عام فضفاض قد يكون مقبولًا لو أنه يقول مجتمع فيه جاهلية فهذا هو الأولى.

والمجتمع الذي واجهه النبي -صلى الله عليه وسلم- كان مجتمعًا جاهليًا وأما المجتمعات التي يواجهه الدعاة المعاصرون فهي مجتمعات فيها جاهلية فهناك فرق بين الأمرين .

يقول: «فهذه الدعوة لا تؤدي شيئاً ذا قيمة! إنه لا بد لهم منذ اليوم الأول أن يعلنوا أنهم شيء آخر غير الجاهلية وأن يتميزوا بتجمع خاص آصرته العقيدة المتميزة، وعنوانه القيادة الإسلامية.

لا بد لهم أن يميزوا أنفسهم من المجتمع الجاهلي؛ وأن يميزوا قيادتهم من قيادة المجتمع الجاهلي أيضاً !

إن اندفاعهم وتميعهم في المجتمع الجاهلي، وبقاءهم في ظل القيادة الجاهلية، يذهب بكل السلطان الذي تحمله عقيدتهم، وبكل الأثر الذي يمكن أن تنشئه دعوتهم، وبكل الجاذبية التي يمكن أن تكون للدعوة الجديدة».

وهذه الحقيقة لم يكن مجالها فقط هو الدعوة النبوية في أوساط المشركين وإنما مجالها هو مجال هذه الدعوة كلما عادت الجاهلية فغلبت على حياة الناس، وجاهلية القرن العشرين لا تختلف في مقوماتها الأصلية، وفي ملامحها المميزة عن كل جاهلية أخرى».

هذا متى عني بها الجاهلية في كل الأرض مما تشمل دول الكفر التي بلا شك قد تكون جاهليتها أشد من جاهلية من واجههم النبي -صلى الله عليه وسلم- وأما في بلاد المسلمين فلا شك أنه مهما وجدت من انحرافات جاهلية فما دام أن الناس منتسبون إلى الإسلام فهذا فارق رئيسي جوهري لا يمكن إغفاله.

يقول: «وجاهلية القرن العشرين لا تختلف في مقوماتها الأصلية، وفي ملامحها المميزة عن كل جاهلية أخرى واجهتها الدعوة الإسلامية على مدار التاريخ!

يقول: «والذين يظنون أنهم يصلون إلى شيء عن طريق التميع في المجتمع الجاهلي والأوضاع الجاهلية، والتدسس الناعم من خلال تلك المجتمعات ومن خلال هذه الأوضاع بالدعوة إلى الإسلام هؤلاء لا يدركون طبيعة هذه العقيدة ولا كيف ينبغي أن تطرق القلوب! إن أصحاب المذاهب الإلحادية أنفسهم يكشفون عن عنوانهم وواجهتهم ووجهتهم! أفلا يعلن أصحاب الدعوة إلى الإسلام عن عنوانهم الخاص وطريقهم الخاص وسبيلهم التي تفترق تماماً عن سبيل الجاهلية؟». انتهى من «ظلال القرآن».

يقول الشيخ: «فنقول لهؤلاء الواهمين: إن مشروعية الوسيلة كمشروعية الغاية سواء بسواء في المنهج الرباني الذي قال الله -عز وجل- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [الأحزاب: 1] وبين أنه هو العليم بعواقب الأمور وحقائق الأشياء الحكيم الذي لا يشرع ولا يقدر شيئاً عبثًا بغير حكمة ، ومنها هذا الأمر : ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً﴾ [الأحزاب: 1] ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً﴾ [الأحزاب:2]

فاتباع الوحي لا اتباع الهوى وأهواء أهل الزيع والضلال حين يأخذون الناس معهم تارة يمينًا وتارة يسارًا ومرة شرقًا ومرة غربًا وتارة اشتراكية وأخرى ديمقراطية أفنسير معهم في كل مرة؟!: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً﴾ [الأحزاب: 48] فلسنا بالأسباب ننتصر»

التذكير بالتوكل هنا يعد قضية في غاية الأهمية المسألة أن لا ننشغل بأسباب محرمة لأن الانشغال بالأسباب المحرمة ما هو إلا فرع على غياب التوكل أو ضعفه فالإنسان مستغرق النظر في الأسباب ومن ثم يظن أن الأمر بالأسباب ولكن الأمور كلها بيد الله -عز وجل- خذ ما تطيق من الأسباب الشرعية ولا تكلف غيرها ولا يجوز أن تفعل غير هذه.

يقول: «فلسنا بالأسباب ننتصر ولا بالقوة والعدد والعتاد وإن كان الواجب إعداد ما استطعنا منها طالما كان سببًا مشروعاً وإنما ننتصر بالتوكل على الله في دفع أذاهم ورد فتنتهم وهو حسبنا ونعم الوكيل.

ولا بد هنا من وقفة على أن الإجابة إلى الحق ليست من الموالاة».

الفرق الجوهري فالمتابعة والتناصر والولاء كل هذه أمور لا تجوز كل صور التعاون بين أهل الإسلام وبين أهل الملل وأهل المذاهب الإلحادية يتضمن تعاوناً أو تناصرًا يتضمن تناصرًا ولاءً أو تبعية أو أي لازم من هذه اللوازم فهذا لا يجوز وأما الإجابة إلى الحق فهذه ليست من الموالاة للكافرين في شيء.

«وليست متابعة لهم ولا طاعة بل هي متابعة للحق وطاعة لله . قال الإمام ابن القيم : في عرضه لفوائد غزوة الحديبية : « إن المشركين وأهل البدع والفجور، والبغاة والظلمة، إذا طلبوا أمرا يعظمون فيه حرمة من حرمات الله تعالى، أجيبوا إليه وأعطوه، وأعينوا عليه، وإن منعوا غيره، فيعاونون على ما فيه تعظيم حرمات الله تعالى، لا على كفرهم وبغيهم، ويمنعون مما سوى ذلك، فكل من التمس المعاونة على محبوب لله تعالى مُرْضٍ له، أجيب إلى ذلك كائنا من كان، ما لم يترتب على إعانته على ذلك المحبوب مبغوض لله أعظم منه، وهذا من أدق المواضع وأصعبها، وأشقها على النفوس».

فهذا كان تعقيب لابد منه في هذه القضية، و نزيد الأمر توضيحًا في هذه القضية بصفة عامة وهي قضية الطرح الذي نراه طرحًا شرعيًا في قضية السعي إلى تغيير واقع المسلمين مما هو عليه من انحراف إلى التغيير المنشود المأمول بفضل الله -عز وجل- إلى وضع فيه التزام بدين الله تبارك وتعالى.

أولًا نريد أن نبين أن من الآفات الشيطانية أن الشيطان دائمًا يحاول يوقع الإنسان في الضلال والفساد والانحراف عن شرع الله تبارك وتعالى فإن لم يكن وأنجى الله بعض خلقه من قبضته في هذه القضية فإنه لا ييأس، والمتتبع للنصوص الشرعية يتأكد من أن الشيطان لا يزهد في أي مكسب يحصل عليه كما قال الإمام ابن القيم : أن الإنسان يقعد للإنسان في طريق الكفر فإن عصاه وآمن يقعد له بطريق البدعة فإن عصاه واتبع السنة يقعد له بطريق الكبيرة فإن عصاه وتركها قعد له بطريق الإصرار على الصغيرة فإن عصاه وتركها قعد له بطريق الصغائر فإن عصاه وتركها؛ جعله ينشغل بالمفضول عن الفاضل فإن عصاه وترك ذلك وهذا حال الأنبياء من أولى العزم الرسل فإنه يسلط عليه أعدائه حتى يشغلوه إذ لا شاغل له من نفسه فإذا لم يستطع أن يأتي له بشاغل من ذاته؛ سلط عليه الأعداء وهؤلاء يستعين عليهم بالله تبارك وتعالى.

والشيطان دائمًا يوجهه طاقات الخير في الإنسان إلى أمر لا يثمر طاعة لأن وجود الدافع غير مرغوب فيه عند الشيطان لكن إذا وجد تجد الناس تحيل على غيرها وهذه آفة، فإذا كلمت أي أحد تجده في قمة الضيق والنقد لما عليه حال المسلمين وأين هو من ذلك وهذا يشمل من يسمون بالملتزمين وغيرهم فكل الناس يتكلم ولا يوجه أحد لنفسه شيئًا من هذا الكلام.

وأسهل شيء أن توجه كلامك للأعداء الأعداء يكدون الأعداء ويفعلون ويصنعون وهذا أسهل شيء في الدنيا، إذن أين أنت من هذا؟! فالأمر إن لم تكن الإحالة إلى الأعداء فالإحالة إلى من لم يكن يبلغه كلامك ولا تكون أنت مطالبًا بشيء فالناس دائماً لا يتكلمون عن شيء يلزمهم كعموم الناس وكقاعدة من الناس موجودة وإنما يقولون لو أن من بيده الأمر فعل كذا وكذا وهذا أيضًا نوع من أنواع خداع وتضليل النفس.

نعم كلام الأعداء كلام صحيح في ذاته ولكن كثرة الطرق على هذا الباب وكما لو كان هذا الداء الوحيد فهذا يجعل الناس لا تفعل ما يلزمهم وهكذا فعندما نتكلم عن التغيير فينبغي أن ينصب أولًا على تغيير الفرد تغيير اللبنة فالبناء به عيوب من أوله إلى آخره فتأتي تتكلم على أعلى هذه العيوب.

فالمقصود أن يعاد بناء المراد بناءه فلا بد أن تسوى اللبنات لأنها في حد ذاتها لا تستقيم على وتيرة واحدة وإنما هي لبنات متفاوتة مليئة بالعيوب والآفات وأنت مشغول عنها نعم هناك عيوب أخرى كثيرة ولكن هذه لو ذكرتها ضمن العيوب العامة كرصد إن أردت استقصاء العيوب ستقول هذه لكن إن أردت أخطر العيوب والتي ينبغي أن يبدأ بعلاجها فهي هذه اللبنات التي اعتراها العور والفساد ونحو ذلك.

ولذا عندما نقول التغيير فهذه أحد أهم الاختلاف بين الطرح السلفي لهذه القضية وصاحب الاتجاهات الأخرى التي لا ترى إلا تغيير أمور ربما تكون بالفعل في غاية الأهمية ولكن تغيرها مع بقاء الناس منحرفين عن الشرع لا يهم ولن يفيد كثيرًا بل ربما أوجد أنواع من الإشكالات فتخيل مثلًا لو أنك بالفعل تملك سلطة أن تفرض على النساء الحجاب فتخيل كم ما ستواجهه معاناة وجهد أو نحو هذا. فالقضية الآن مع أن هذا جزء من الجزئيات بلا شك ووجود من يحض على الطاعة ويلزم بها إذا كان له قدرة على ذلك فسوف يعين على انتشار الطاعة بلا شك.

ولا بد أن نعلم - حتى نفهم هذه القضية- أن الإسلام يعالج قضيتين مهمين جدًا أولاهما أن الالتزام الذي ينبع من داخل الإنسان هو الأصل في دعوة الإسلام وبالتالي فالأصل أن ندعو الناس إلى الخير ونريبهم عليه فإذا أردنا أن ينتشر الإسلام؛ فلا بد أن ينتشر كمنهج تعليمي وإعلامي وتربوي قبل أن ينتشر منهج قضائي أو إلزامي، فهذا أمر لابد أن يكون هذا واضحًا فـي تصورنا لـهذه القضية.

[وزيادة على] مسألة تأهيل الأشخاص فإن المجتمع يحتاج أن يتغير في تصوراته كلها تصورته لأن الإلزام بالقوة لا يكون إلا آخر شيء لأنه من باب آخر الدواء الكي أو بمعنى آخر الأصل أنك توجه دعوة لتربية الناس على الإسلام ولا بد أن يوجد في كل مجتمع من ينحرف فهذا الانحراف لو صار علانية فإنه يكون في دعوة للباطل وتجرئة للغير.

ولذا قيل يقول بعض الناس أنه توجد بلاد مطبقة للشريعة ومع ذلك يوجد فيها فساد مستتر فيقال: هل هذه البلاد طبقت الشريعة بالمفهوم الشامل؟ بمعنى أن يكون نظام التعليم والإعلام والتربية كله موجه إلى تربية الناس أم أنها تطبق الشريعة كنظام قضائي ويوجد من يدعو الناس إلى الفساد.

شيء آخر بلا شك ومن جرب يعرف أنهم لو طبقوا النظام التعليمي والإعلامي والتربوي فسيقل جدًا الفساد لكن حتى على الرغم من كثرته فوجود من يزجر عنه يجعله مستتر فاستفدنا من ذلك أن من أراد أن يعيش ملتزمًا لم يوجد من يفرض عليه الالتزام فالشاب الذي يريد أن يلتزم لا يجد امرأة متبرجة تمشي في الطريق كذلك لا يجد أغاني تحرض على تثير الشهوات ويسمعها رغمًا عنه ولا يجد صور تقتحم عينيه - رغمًا عنه- على غلاف مجلة أو جريدة ونحو ذلك.

إذن وجود الزجر من شأنه أن يصعب طريق المعاصي حتى فالذي يريد أن يشرب الخمر لا بد أن يصنعها لنفسه فهذا بلا شك قدر من التزهيد ووضع بعض العراقيل أمام المعاصي.

ثانيًا أنه لو أصر فسيفعلها لا ننازع في ذلك ولكنه سوف يستتر بها وفي هذا حماية لباقي المجتمع.

إذن فالقضية هنا أن وجود من يلزم - على الأقل- سيمنع الفساد أن يظهر وهذا فيه إعانة لمن أرد أن يلتزم ولكن إذا كان هناك تخلف كبير جدًا في جانب الدعوة والإعداد الإيماني فستجد الأمر مواجه بصعوبات شديدة جدًا ولذا من سنن الله الكونية أنه لا يمكن للمؤمنين إلا حينما يبلغون في درجة التزامهم درجة معينة وحينما يكونون قادرين ولا يهم كم هي نسبتهم لكن المهم مدى قدرتهم على إحداث تغيير في نفوس من حولهم وهذا مشاهد في بلاد لم تفتح بالسيف ولا بالسنان وإنما فتحت بعدد قليل من العلماء الربانيين الذين كانت لديهم قدرة ذاتية على نشر هذا النور والتأثير فيمن حولهم.

على أية حال فمن أهم ما ينبغي أن يستصحب في الذهن في هذه القضية أنها ليست [مجرد] تغيير نظم ولا أطر ولا شيء من هذا كله وإنما هي في المقام الأول تغيير الأفراد ويأتي في المقام الثاني والإنسان دائمًا شغوف أن يتكلم على أمور لا طائل من ورائها وهذا أمر قدري والتاريخ مليء بصور كثيرة مختلفة متباينة ففي أوج الحروب المشتعلة بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين قومه في مكة جاء الأنصار فقبلوا الإيمان طواعية العرب كلهم منتظرين نتيجة الحرب بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وبين قومه وهذا - بعيدًا عن المقاييس الإيمانية- هو العقل والمشكلة في عادة القوم أن ينحوا الإيمان جانبًا ويتكلمون بمصالحهم هم فهذا رجل ظهر بدعوة جديدة فلا يعني هؤلاء أن يزن هذه الدعوة إن كانت حقًا فيدافع من أجله وقليل من يريد ذلك ولكن يقول: «دعه وقومه فإن ظفر عليهم نظرنا في شأنه وإن قضوا عليه فقد كفونا أمره».

وهذا كان حال معظم العرب ولكن الأنصار أكرمهم الله -عز وجل- بأن كانوا أنصار الله قبل غيرهم من العرب ولم يسبقهم إلى هذا إلا السابقون الأولون ممن آمن بالنبي -صلى الله عليه وسلم- من قومه ولذا صاروا قبلهم في الفضل ثم تلهم هؤلاء الذين قبلوا الإسلام طواعية في وقت كان كل من يزن الأمور بموازين مادية يقول ننتظر ولا ندخل طرفًا في حرب خاسرة، سبحان الله كيف فتح الله قلوب هؤلاء؟.

وذكرنا قبل ذلك في دروس التفسير أن من أهم الأسباب التي جعلت الأنصار أول من يقبل الإسلام هو وجود اليهود بين أظهرهم وقد أكثروا الحديث عنه -صلى الله عليه وسلم- وعلى أنه متى ظهر فسيكونون معه فنكث اليهود بعهودهم وكانت دعوتهم دعوة تمهيدية لبعثة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأول ما سمع الأنصار بخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: «هذا هو النبي الذي تستفتح به عليكم اليهود فلا يسبقنكم إليه».

في أوج أيضًا بداية توجيه الدعوة خارج مكة والمدينة بعد صلح الحديبية وقد بدأت الدعوة تأخذ آفاقًا جديدة إذ بأهل البحرين يقبلون الإسلام بلا قتال ولا غير ذلك ولما قبض -صلى الله عليه وسلم- ارتدت كل القبائل إلا مكة والمدينة والبحرين هذه البلاد دخلت الإسلام طواعية أما بقية القبائل الأخرى فلم تسلم قبيلة من ردة فلم يكن هناك بلاد سالمة من أي محاولات ردة إلا هذه البلاد.

فالإنسان لا يستطيع أن يحدد شيئًا إنما عليه أن يأخذ بالأسباب والله تبارك وتعالى يقدر ما يشاء فأنت لا تستطيع أن تحيط بعلم الله -عز وجل- وقدرته وأنواع رحمته -تبارك وتعالى- يقضي ما يشاء -عز وجل-.

فهذه القضية في غاية الأهمية وهي استيعاب أننا نتكلم عن واقع مليء بالانحرافات أكثر الانحرافات في اللبنات وهذه هي أخطر الانحرافات وينبغي أن نحاول أن نقوم بإصلاح هذه اللبنات وحينما توجد لبنات تستحق أن يقام عليها البناء سوف يقيد الله -عز وجل- من يقيم عليها البناء، ومن تأمل حالة الأمة مثلًا في أيام حروب التتار وفي أيام حروب الصليبيين لم يستطع أن يحدد على وجه الدقة ما هي العوامل التي أدت إلى وجود قوة في الأمة أوقفت زحف التتار وزحف الصليبيين لكن بلا شك أن كل هذه المراحل سبقت بمراحل دعوة وإعداد وشيخ الإسلام ابن تيمية كأحد أبرز الحركات الإسلامية عبر التاريخ بل لا نبعد عن الحقيقة كثير إذا قلنا أن الصحوة الإسلامية المعاصرة ما هي إلا صدى من أصداء شيخ الإسلام ابن تيمية واقع مع كثرة الدارسات التي كتبت عن شخصية شيخ الإسلام ابن تيمية وملامح دعوته يبقى أن هذه الدعوة غنية بالدروس التي لم تستخرج بعد، فيكفي أن هذه الدعوة حتى الآن باعتراف الأعداء ومعلوم أنه كان في بعض البلاد الديكتاتورية طلب بالقبض على ابن تيمية حيًا أو ميتًا!!.

فالأعداء يرصدون أن ابن تيمية شخصية حية موجودة وسط الناس لكثرة ما يرجع الناس إلى كتاباته وإلى آراءه ومن أصداء حركة شيخ الإسلام ابن تيمية ما حصل للأمة من قوة وتمكين أمام التتار والصليبيين وكانت حركة شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب صدى من أصداء حركة شيخ الإسلام ابن تيمية وكذلك الصحوة الإسلامية المعاصرة فهي مدينة في كثير من عوامل قيامها لشيخ الإسلام ابن تيمية.

إذن هذا رجل وكان ابن تيمية هو الرأس وكان معه عددًا من التلاميذ الأفذاذ كل منهم بعد ذلك وكل منهم كان له ثمراته في التأليف والتصنيف والتربية فكان هذه المدرسة المباركة من نتاجها ابن القيم : الذي فاق شيخه في الكلام على أعمال القلوب وإصلاحها وقدم نمط تربويًا ما زال إلى يومنا المعين لمن أرد التربية على منهج أهل السنة والجماعة.

وكان منها الحافظ ابن كثير وقد ظل إلى يومنا هذا تفسير ابن كثير كتابًا يرضي الخاصة ولا يتعالى على العامة وعرف الناس بمقاصد كتاب ربهم هذه ملامح مدرسة تربوية أنشأت، مات أصحابها وما زال أثرها موجود إلى يومنا.

هذا الكلام نؤكده ونلح عليه لكي يعرف الجميع أن المسألة ليست مسألة أرقام وإحصاءات مما ابتلي به أهل هذا الزمان بل المسألة مسألة بركة وسير في الاتجاه الصحيح للتربية وربما يكون بجهود معينة يمتد آثارها أجيالاً فكانت - بلا شك- دعوة شيخ الإسلام ابن تيمية التي خلصت الأمة من أثار الفلسفة وهذا كلام يطول شرحه ولكن عموماً الأمة جسد حي ينطبق عليه كل ما ينطبق على الأجساد الحية من قوانين فلا يجوز أن تقول ما علاقة هذا المرض بمرض آخر؟ ما علاقة هذا العضو بعضو آخر؟.

كل الأمور لها ارتباط إما مباشر وإما غير مباشر لمن تأمله فهذه المدرسة كان لها أثر تربوي في تخليص الأمة من آفات علقت بها.

فمن ضمن الآفات الفلسفية التواكل، من ضمن الآفات الفلسفية التي علقت بالأمة: عدم أهمية العمل أليس لهذا أثرًا ؟

ومنها: عدم شعور المذنب بذنبه وعدم استعظامه لجريمته.

ومنها: بعد الأمة عن تذوق الكتاب والسنة.

ومنها: التعصب المذهبي هذه مسألة من المسائل ربما لو أتيت بأي كتاب في الفقه تتعلم منه الصلاة لا تجد فروقًا كبيرة وإنما الاختلاف في تحديد الأركان والواجبات والمستحبات إذن في النهاية الذين يتعصبون للمذهب لو أتى بأي كتاب فقه وقرأ الصلاة بهيئتها من أولها إلى آخرها يصلي الشافعي مثل الحنبلي مثل المالكي مثل الحنفي لكن القضية في التعصب للمذاهب تكمن في البعد عن الكتاب والسنة فلا يكون للقرآن والسنة يكون التعظيم الواجب في القلوب فهذه القضية قد يستهين بها البعض لكن بلا شك عندما تقول للناس لا تتعلم العقيدة إلا من الكتاب والسنة ولا تتعلم الفقه إلا من الكتاب والسنة فتضمن أن الشخص يأخذ المنهج الكامل الذي يخرج الشخصية المسلمة السوية.

فعلى أية حال نعود ونؤكد قضية تغيير اللبنات فهذه قضية أخطر بكثير من أي قضية أخرى.

من باب الإشارة إلى الأطروحات الموجودة على الساحة في هذه القضية فمعلوم أن هناك كثير من الاتجاهات الإسلامية في كثير من البلدان الإسلامية يرى أن التغيير من خلال الانتخابات البرلمانية وأول ما يؤخذ على هذا الاتجاه نظرتهم القاصرة جدًا للتغيير كما ذكرناه منذ قليل، فمن قبيل مناقشة هؤلاء نقول لابد من تقرير عدة أمور:

- أن التشريع حق خالص من حقوق الله -عز وجل-.

- أن القوانين الوضعية مخالفة للشريعة الإسلامية وكل ما يخالف الشريعة فهو باطل.

- أن الحكم بغير ما أنزل الله سبب يوجب غضب الله وينزل مقته وعقابه.

- أن هذا إنما يعنى به الأمور التي فيها تشريع وأما الأمور الإدارية ففيها سعة.

- أن الحكم الإسلامي مبني على الكتاب والسنة وهو يوجب الحكم بما أنزل ويرى العدول عن ذلك فسقًا وظلمًا وكفرًا وأما الحكم العلماني فعنده الأمة هي مصدر السلطة.

يقول: «فلابد من الحفاظ على رغبة الشعب ومرضاته ولا يمكن لها أن تعدل عن إرادة الشعب وهواه حتى لو أدى ذلك إلى تحليل الزنا واللواط والخمر».

وهنا شبهة تقول: لو عرض على المسلمين أمر موافق للشريعة وأمر مخالف لها سيختارون الموافق للشريعة إذن فالقضية واحدة.

نقول: لا، الاعتقاد أهم من العمل فعندنا الذي يعتقد حل المعصية يكفر أما الذي يفعلها المعصية فلا يكفر فأنت تريد أن تحرم عليه معصية ففي سبيل تحريمها تخرق لديه الاعتقاد وتقول له: اختار فتخيره بين موافقة الشرع ومخالفته فهذا في حد ذاته - حتى لو اختار الموافقة- فيه خيانة لهذه العقيدة وتدمير لها إذ أهم شيء أن يعتقد أنه لا يسعى لمخالفة الشرع ثم أنت تقرر وتكرر وتؤكد أن المسألة اختيارية وأنه يختار وبعد ذلك تقيد هذا بأنه لا يمكن أن يختار غير الشرع هذه سفسطة لا طائل من ورائها فإذا كان هو ملزم فهو ملزم لا يحتاج إلى تخيير، ومثل هذه المسألة لو فعلها أب مع أبنائه لحدث لديهم الاضطراب إذ يأتي فيقول لهم اختاروا بين فعلين وأحدهما عنده حسن لا يقبل النزاع والآخر قبيح لا يقبل النزاع وبعد أن يخيرهم فاختاروا القبيح مثلاً يقول لهم أسأتم فلماذا كان التخيير أصلًا؟ أنت خيرته ولم تخيره على سبيل الامتحان بل أكدت أن له الخيار فهذه المسألة في غاية الخطورة مسألة القدح في الأصل العقدي للقضية حتى تصل إلى تطبيق، فالأصل العقدي أهم من التطبيق هذا لو وصلت إلى التطبيق وهذه قضية أخرى كما بينا ولذا فإن هذه من الأمور التي لابد أن ينتبه إليها.

يقول: «الشورى في الإسلام تختلف عن الشورى في النظام الديمقراطي».

نقول: يحلو للبعض أحياناً أن يقول أن الديمقراطية هي الشورى الإسلامية هذا نقول له لو فرضنا مثلًا [أن الأمر كما تقول] فلماذا تتنازل عن الاسم الإسلامي؟ مع إن الأمر ليس كذلك فالشورى الإسلامية لا تكون إلا فيما لا نص فيه ناهيك عن أن آليات الشورى الإسلامية مختلفة تمامًا عن آليات النظام العلماني فآليات النظام العلماني آليات صنعت صنعًا فالعلمانية هذه اخترعها اليهود في بلاد أوروبا من الديمقراطية وغيرها بعد أن يوجد قاعدة كفرية معينة دعوا وقد وجدت الديمقراطية منذ أيام اليونان ولكن لم يدعى إليها كنظام مفروض على العباد إلا بعد تقرير مبادئ الحرية والإخاء والمساواة فلا بد من وجود فساد أولًا وبعد ذلك يقال إياكم أن تحاولوا أن تصلحوا هؤلاء المفسدون لأن الأمر بأيديهم فهم الذين يختارون فيختاروا الفساد ولذلك لا يمكن القبول عند هؤلاء القوم بتجربة ديمقراطية - هذا لو قلنا جدلًا- تقام على أساس إسلامي لأن هذه بتركيبتها المطلوب منها ما ذكرنا.

وحتى الآليات التي يتم من خلالها الشورى آليات منحرفة وفي الإسلام الشورى فيما لا نص فيه والآليات أكثر مرونة بكثير من آليات هؤلاء ولذلك تجد أن هؤلاء دائمًا يقعوا في إشكال فالقضايا تحتاج إلى تخصص وهو مصر أن الشورى تتم عبر ممثلين للناس ومؤهلات هؤلاء الممثلين في الغالب أنها احتكام جماهيري فهذا يجعلهم يستشاروا في الطب والهندسة والزراعة والصناعة فالمشكلة أن هؤلاء في الآخر موجدين في كل الدنيا ، والبعض يقول أنها لو طبقت حق تطبيقها ونحن نتكلم عن التي طبقت حق تطبيقها في بلاد الكفر ثم بعد ذلك تجد أفرادًا لا يحسنون أن يستشاروا في شيء إلا الملامح العامة التي تحافظ على أهواء الناس وعند المحكات يحيلونها إلى لجان متخصصة هؤلاء ولو رد أهل الأهواء - الأغلبية منهم- ورفضوا رأي اللجنة المتخصصة فتجدهم يقعون في إشكال ما هو الرأي الذي يأخذ به فتجد إجراءات استثنائية وتصعيدات لأن هؤلاء لا يصلحون أن يستشاروا في شيء لأن مؤهلاتهم هي اختيار الناس لهم،و أنظر إلى الناس في أي مجتمع اعتبر أنه يطبق فيه هذا النظام بحذافيره هل يعرفون نبغاء العلماء في الطب في الهندسة في الصناعة في الزراعة؟!

لا يعرفونهم ولكنهم يعرفون الشخصيات الجماهيرية فقط وهؤلاء هم الذين سيقررون مصير كل هذه القضايا، وقبل أن تفتتوا فيما لا تحسنون لابد أن يحال الموضوع إلى اللجان المتخصصة هل رأي اللجان المتخصصة ملزم نهائيًا؟ يقولون: لا، لابد أن يعرض على هؤلاء من جديد.

تخيل إنسانًا عقله الرياضي ناضج واطلب منه أن يقرأ ميزانية شركة لا نقول ميزانية أمة وليست عنده الأصول التي يقرأ بها ولو أتيت برجل محاسب متخصص فإنه سيشق إلى أن يقرأها إذن فهذه تريد رجلًا أدق.

كيف يكون هذا من ضمن اختصاصاتهم؟ ستجد فردًا أو فردين منهم من يستطيع أن يفعل ذلك وتحاول اللجان المتخصصة - التي ليس لها سلطة إصدار القرارات - أن تشرح لهؤلاء لذلك أحيانًا يحال الموضوع على لجنة متخصصة وهذه اللجنة المتخصصة ليست لها سلطة إصدار قرار فتأتي وتحاول أن تشرح ما وصلت إليها أمام هؤلاء الناس فيسألون أسئلة من جنس أسئلة الأطفال فيضيقون ذرعًا بالأسئلة فتقول لهم: ليس لكم في هذه الأشياء!!

و في النهاية تجد عوامل التناقض بارزة جدًا في هذا النظام أما نظام الشورى الإسلامية ففيما لا نص فيه والإمام عنده مرونة عالية فيستشير في كل شيء وليس هناك أناس يلزم أن يستشيرهم في كل صغيرة وكبيرة لكن الأمر واسع جدًا بالنسبة له فيستشير كل من يرى أنه يصلح أن يستشار أما الذين لا يستطيع أن يترك مشورتهم في أي مسألة من المسائل فهم العلماء وهؤلاء ليس كهنوتًا كما يدعي البعض وإنما هم للضوابط الإجمالية العامة فعلى سبيل المثال يريدون أن يقروا أنسولين ويطرحوه في الأسواق فينظرون هل هذا أتى من الخنزير وهذا للبقر وهذا ممن بني آدم فهم لا يتكلمون عن أيها أكثر فاعلية طبية لكنهم يقولون هل المشتق من الخنزير ه يجوز أم لا؟ لو قالوا لا يجوز يستبعد من الاختيارات لو قالوا غير ذلك فهم لن يتكلموا في الكلام الطبي.

إذن هو دائمًا محتاج إلى علماء ناهيك أن يكون المفروض أنهم أهل الاجتهاد فالمقصود هنا أن آليات الشورى في النظام الإسلامي آليات مرنة جدًا أما آليات الشورى في الأنظمة العلمانية فهي آليات معقدة شديدة التعقيد تضطر أصحابها حتى أكثر المخلصين لمبادئ الديمقراطية أن يكسبوا في المسائل الشائكة والحرجة والمراد منها في النهاية: المحافظة على أهواء الناس هذا المقصود.

بعد انتشار فساد معين هؤلاء الناس يختارون من هؤلاء الفاسدين الذين هم أكثر فسادًا ليحافظوا على الفساد لو كان في أي دولة عريقة في الديمقراطية كما يقولون تجد المناقشات الساخنة جدًا في الكلام على الشذوذ والإجهاض هذه هي القضايا التي يتكلم فيها كل الناس هذا الذي يفهمونه هم لكن المناقشات في القضايا التي تهم الأمة فعلًا تمرر فتوصي الرجال المتخصصة بأمر ويسكتون هم ولو حاولوا أن يعارضوا تجد أنواعًا من الاضطراب إذًا آلية الشورى في الإسلام أوسع وأكثر مرونة من هذه.

يقول: لا يجوز شرعًا عرض الشريعة الإسلامية على الأفراد ليقولوا تطبق أم لا وهذا من حيث المبدأ.

يقول: المجالس التشريعية التي تسن قوانين مخالفة للشرع ويلزمون بها الناس وترى أن الأغلبية تفرض رأيها حتى ولو كان محالفًا للشرع فهي مجالس كفرية، وهؤلاء هم الشركاء الذين عناهم الله بقوله﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللهُ﴾ [الشورى: 21].

يقول: «هناك فرق بين النوع والمعين وبين الحكم والفتوى فقد يكون القول كفر والفعل كفر وفاعله وقائله ليس بكافر كما تقرر عدة مرات».

يقول: «الأحزاب التي تقوم على مبادئ العلمانية والاشتراكية والشيوعية وغيرها من المبادئ الوضعية التي تخالف أصل الإيمان والإسلام من فصل الدين عن الدولة وأنظمة المجتمع والمساواة بين الملل كلها واحترام الكفر والردة وقبولها في كتعدد الشرائع لا يفسد للود قضية كل هذا كما يزعمون كل هذا من العصبية الجاهلية والولاء للكافرين والمنافقين».

يقول أيضًا: «من الثوابت الأمر بالمعرف والنهي عن المنكر فريضة عظيمة تتحقق تارة بالدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وتارة بالقدوة الصالحة، وتارة بتغيير المنكر باليد أو اللسان أو القلب تبعًا للاستطاعة وبما يحقق المصلحة ويستدفع المضرة والمفسدة ومن المعلوم أن هذا الواجب يسقط بالعذر والعجز وعدم الاستطاعة وهذا من رحمة الله -عز وجل- بهذه الأمة».

ففي هذا الكلام بيان لاتساع دائرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عن البعض يحصره في صورة معينة إما المجالس النيابية أو قديمًا ولعل لهذا الاتجاه صوت في بلادنا لكن لا يوجد فكر يموت بل موجود سواء في بلادنا أو في غيرها تحصل صورة تغيير المنكر في تغيير المنكر باليد فتقول لمن يريد أن يدخل المجالس النيابية أنا لا أقر بباطل، ولن أضحي بالمبادئ الشرعية من أجل تغيير منكر، فيقول: فلتجلس في بيتك إذن ولا تغير منكر كأن هذه هي الصورة الوحيدة.

أما الآخر فتقول له: تغيير المنكر باليد قد ينتج عنه مفاسد وليست هذه هي الصورة الوحيدة فيقول: هذه هي الصورة الوحيدة فإذا لم تقم بها فقد ضيعت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فلو كانت هذه هي الصورة الوحيدة حقًا فلا بد من الرجوع إلى الشرع ناهيك عن أنها بفضل الله ليست الصورة الوحيدة وهذا مما يسلي النفوس عن مثل هذا الأمر.

بعد تقرير هذه القواعد يقرر أن دخول المجالس البرلمانية إن كان فيه التمييع أو مخالفة الثوابت الشرعية كقربان للدخول وهذا متصور في بعض البلاد التي تسمح بالانتخاب الفردي فلا تلزم المرشح أن يتحالف أو يدخل تحت راية حزب علماني ولا تجري تحقيقًا مع المرشحين لمعرفة رأيه في الديمقراطية لأنه لا ديمقراطية لأعداء الديمقراطية، فإذا قال لهم: لا ديمقراطية، لم يصلح للترشيح، ويتعرفون على رأيه في قضايا الإسلام والكفر، وعلاقة المسلمين بغيرهم، في قضايا قبوله بتعدد الباطل عمومًا وليس تعدد الأديان فقط، فإذا كان الإنسان لا يسمح له إلا بعد الاصطدام بكل هذه القواعد الشرعية فهذا جزمًا لا يجوز وقال قال بجوازه فقوله شاذ مردود بالأدلة التي ذكرناها وبفعل النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ الذي رفض ما هو أكرم من هذه الحلول وأكثر مصلحة للدعوة لو كانت فيه مصلحة.

وأما الحالة الثانية فهي أن يسمح بالدخول بدون كل هذه التنازلات وهذا قد يرد أحيانًا في بعض البلاد فنقول أن الخلاف فيها سائغ والراجح المنع لأنه غالبًا لا يصلح من وراء هذا الأمر مصلحة بل لا يحصل إلا تعلق القلوب بآمال واهية كما أثبت التاريخ عبر المحاولات التي تمت أنه لا توجد ثمرة حقيقية من جراء التعلق بهذه الآمال الكاذبة.

فتجد الإسلاميين يطبقون بأنفسهم ما يخالف منهجهم فتكون فتنة للخلق والعباد، وتسمع الكفار يقولون عن الإسلاميين أنهم حينما يمسكون زمام الأمور يفعلون ما يفعله غيرهم؛ إذن فهم لا يريدون غير السلطة، ويريدون منهجًا غربيًا بنكهة إسلامية! إلى غير ذلك من التحليلات التي تجعل الناس يصدمون في هذا الأمر.

وأيضًا أن القضية قضية دعوة وتربية فلا بد من الاشتغال بها ولو تصورنا جدلًا وجود فرصة لأحد أن يشارك بلا تنازلات فالراجح المنع مع إثبات أن الخلاف سائغ وممن يقول بالجواز في هذه الحالة الشيخ ابن باز والشيخ العثيمين رحمهما الله تعالى بينما يمنع من هذه الحالة وبشدة الشيخ الألباني : وهذه مثل التجربة الكويتية والتجربة الجزائرية في مراحلها الأولى إذ لم يطلب من أحد أن يتنازل عن شيء وأفتى الشيخ ابن باز والعثيمين رحمهما الله تعالى بالجواز بينما أفتى الألباني بالحرمة.

أما الحالة الأخرى التي يحصل فيها تمييع للقضايا وتنازل عن أصول عقدية فهذا ممنوع جزمًا لذلك فالنصيحة دائمًا أن يكون انشغالنا بما ينفع وأن لا ننشغل بما يدور في ساحات أخرى لا ناقة لنا فيها ولا جمل وينبغي أن يشعر المسلم بالاستعلاء على الباطل – لا على إخوانه العصاة حتى لا يكون في الكلام انحراف- ولكن يكون مستعليًا على الباطل بكل صوره، فيرغب ويحرص على هداية الناس إلى الحق لكن مع زهده فيما بين أيديهم.

ففرق بين أن يكون حريصًا على دعوة الناس إلى الحق وبين أن يكون شغوفًا بما يجري في الدنيا، فالمسلم له عالم آخر يعيش فيه ولا نعني أنه يعيش في أوهامه ولكن نقصد أنه يعيش في صلته بالله لا يهمه ما يكاد وما لا يكاد أو أن بعض الأعداء يجمع العدة لاستئصال الإسلاميين وبعضهم يقول: لا الأمر ليس كذلك بل نريد إسلاميين معتدلين أو أن بعض الأعداء من الكفار الخلص سوف يكونون عونًا للإسلاميين أمام من يظلمهم من بني جلدتهم فهذه كلها أوهام بعيدة المنال تدل على أن القلوب فيها كثير من الفراغ وينبغي أن تملأ القلوب إيمانًا وتوكلًا وإنابة إلى الله تبارك وتعالى وثقة فيما عند الله، وهذه الثقة هي التي جعلت النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو في مكة والمسلمون يعدون على أصابع اليد الواحدة ويعذبون ومع ذلك يتكلم النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ عن ملك الدنيا بأسرها وفتح فارس والروم كما هو معلوم من وقائع السيرة أن المشركين في المرحلة الأولى في مهد الدعوة كانوا إذا مر بهم ضعفاء المسلمين قالوا هؤلاء الذين سيرثون ملك كسرى وقيصر، استهزاءً، مما يدل على أن الدعوة أعلنت هذا منذ اللحظة الأولى وإن كانت الحالة أفضل قليلًا في غزوة الأحزاب لكنها كانت شديدة أيضًا فالمسلمون يحفرون الخندق كوسيلة أعطاهم الله إياها ولكن عندما تنظر لم يكن الخندق حائلًا حقيقيًا ولكن المسلم يفعل كل ما يستطيع من أسباب وبلا شك كان سببًا على الأقل في أن تقف جيوش الكفر مفكرة فبينما هم يفكرون أتاهم الله بجند من عنده وإلا لو مكثوا قليلًا ودرسوا طبيعة هذا الخندق وبالفعل حاول بعض فرسان قريش أو كاد أن يعبر الخندق، إذن كان المسلمون أثناء حفر الخندق الذي لا يمثل إلا عائقًا يسير لا يملك المسلمون غيره أما جحافل لو دخلت في ذلك الوقت لأتت على الأخضر واليابس فيها ومع ذلك كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يعد بملك كسرى وقيصر.

إذن القضية أن المسلم يعيش بعيدًا عن الموازين المادية الساقطة لأنه حلقة في سلسة لها وعد بالنصر [وقد لا يرى هو هذا النصر بعينيه فقد] كثير مات من الصحابة في المرحلة المكية والغزوات الأولى فلا يشترط أن يمكن كل شخص بعينه فكل إنسان يعيش ما قدر الله -عز وجل- له أما الدعوة فقد تكفل الله -عز وجل- بنصرها فلا ينبغي أن ينشغل الدعاة إلا ببيان دعوتهم فقط فإذا وجد أمر واقع بعيد عن التنكهنات فالمسلم بصير بالواقع من حوله فإذا فتحت آفاق للدعوة فليحمد الله -عز وجل- فقط ينظر إلى البشر على أنهم دمى لا فضل لبشر على دين الله تبارك وتعالى، فالقضية أنك كلما أتيح لك مجال فلا تتوانى عنه فإذا لم يكن هناك مجال فالزم نفسك فعلمها وأعدها.

وقد يعجز المسلم عن أمور كثيرة جدًا بل قد يصل في بعض الأحيان إلى أن يعجز عن كل مظاهر انتمائه لهذا الدين وذلك حين يعذر بالإكراه فيقول كلمة الكفر ولكن القلب أهم شيء فلا أن يكون القلب المسلم دائمًا نابضًا بالحياة حياة حب الدين وحب الالتزام وحب العمل لدين الله تبارك وتعالى واغتنام كل فرصة شرعية توجد لكن لا ينبغي أن يكون القلب فارغًا هواء يتبع كل ناعق يشع بأنه لا نصير له ولا سند له فيفرح متى سمع بأنه سيجد نصيرًا مع أنه يعلم أنه لا يمكن أن يكون لهؤلاء الكفار رأي حسن في المسلمين مثلًا وإنما ينبغي أن ينشغل المسلمون بدعوتهم وبدينهم لا ينشغلون بأي شيء آخر ولا يأبهون كثيرًا بما يدور حولهم وينتظرون الأمور حتى تقع ولا يحاولون أن يشاركوا بصورة أو بأخرى في أي أمر لا يعنيهم فقد كان النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ يدعو قومه إلى الإسلام ويدعو اليهود في المدينة.

وعندما تقرأ السيرة تجد أن قريشًا كلها لم تكن على قلب رجل واحد في مواجهة الدعوة بل كان منهم من كان شديد العداوة للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان منهم من لو خلي بينه وبين نفسه لآمن وإنما يخجل من أن يؤمن ويترك قومه، وكان منهم من يرى أن المسلمين ما داموا قد خرجوا من مكة أن يتركوا فإن ظهروا على العرب تابعوهم وإن قضوا عليهم فقد كفوا أمرهم.

وكان من اليهود من هو حريص على الوفاء بالعهد له ـ صلى الله عليه وسلم ـ وكان منهم من كان ذلك، ولم يؤثر عن النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ انشغال كبير بالحالة الداخلية للخصوم وإنما يتعاملون مع الواقع فإن ظهر التيار الذي يفي بعهده، وإن غلب عليهم من ينقض العهد عاملهم بمقتضى نقض العهد وقد قتل من بني قريظة من قبل لانقض مكرهًا، وقد كان منهم من يرى أن يوفي للنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعهده ولكن غلب الفريق الآخر فكان الحكم عامًا.

فالحاصل أن الدعوة الإسلامية لم تنشغل عبر تاريخها بالأحوال الداخلية للخصوم أو المخالفين وإنما الانشغال دائمًا بالدعوة من حيث هي دعوة وبالواقع من حيث هو واقع لا بما سيكون.

فهذا ما أردنا التنبيه عليه بخصوص هذه المناسبة.

طريق السلف

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
الشرح المفهم لما انفرد به البخاري عن مسلم

جديد المواد

Separator

روابط ذات صلة

Separator

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

اللغة العربية .. ومعالم النهضة السلفية- كتبه/ وائل سرحان