السبت 10 جمادى الآخرة 1442هـ الموافق 24 يناير 2021م

القائمة الرئيسية

Separator
شرح صحيح البخاري - الشيخ سعيد السواح

بحث

Separator

القائمة البريدية

Separator

أدخل عنوان بريدك الالكتروني

ثم أدخل رمز الأمان واضغط إدخال

ثم فعل الاشتراك من رسالة البريد الالكتروني

كيف نتعامل مع القرآن؟
هل سيذكرك التاريخ ؟
كيف تكون ناجحًا ومحبوبًا؟

أخلاق المسلم في الأزمات

المقال

Separator
أخلاق المسلم في الأزمات
459 زائر
16-06-2020
حسن حسونة

أخلاق المسلم في الأزمات

كتبه/ حسن حسونة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن الحياة لا تسير على وتيرة واحدة، بل هي تتقلب بين الرخاء والشدة، والغني والفقر، والرفع والخفض، والأزمة والعافية، قال الله -تعالى-: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن:29). قال عبيد بن عمير: "يفك عانيًا، ويشفي سقيمًا، ويجيب داعيًا، ويعطي سائلًا".

وقال -تعالى-: (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ) (آل عمران:140)، وهكذا الحال في دنيا الناس يوم نعيم ويوم شقاء.

والمتأمل في سيرة النبي -صلى الله عليه وسلم- يرى ذلك، فمثلًا يحتز النبي -صلى الله عليه وسلم- من شاة مشوية بالسكين ويدع السكين، ويقوم للصلاة لما حضرت، ويضيفه أبو الهيثم بن التيهان ويقدم له الطعام والشراب هو وأبو بكر وعمر، فيقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (هَذَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مِنَ النَّعِيمِ الَّذِي تُسْأَلُونَ عَنْهُ يَوْمَ القِيَامَةِ، ظِلٌّ بَارِدٌ، وَرُطَبٌ طَيِّبٌ، وَمَاءٌ بَارِدٌ) (رواه مسلم والترمذي واللفظ له)، وفي أحوال أخرى: يربط على بطنه الشريف -صلى الله عليه وسلم- حجرًا من الجوع، ويمر الهلال ثم الهلال ثم الهلال ولا يوقد في بيوت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نارًا للطعام، وحياتهم على الأسودين: التمر والماء، كما أخبرت أمنا عائشة -رضي الله عنها-.

وكذلك أصحابه الكرام مزقة اللبن لأحدهم في وقتٍ مِن الأوقات كانت أحب إليهم من كل شيء، ولا يجد أحدهم الطعام إلا ورق الشجر، فيضع كما تضع الشاة!

وفي وقت آخر كانوا يقتسمون المال بالفؤوس، قال خباب بن الأرت -رضي الله عنه-: هَاجَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سَبِيلِ اللهِ، نَبْتَغِي وَجْهَ اللهِ، فَوَجَبَ أَجْرُنَا عَلَى اللهِ، فَمِنَّا مَنْ مَضَى لَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا، مِنْهُمْ: مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ، فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ شَيْءٌ يُكَفَّنُ فِيهِ إِلَّا نَمِرَةٌ، فَكُنَّا إِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رَأْسِهِ، خَرَجَتْ رِجْلَاهُ، وَإِذَا وَضَعْنَاهَا عَلَى رِجْلَيْهِ، خَرَجَ رَأْسُهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: (ضَعُوهَا مِمَّا يَلِي رَأْسَهُ، وَاجْعَلُوا عَلَى رِجْلَيْهِ الْإِذْخِرَ)، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ، فَهْوَ يَهْدِبُهَا. (متفق عليه)، وهكذا الأمر، فالدنيا لا تبقى على حالٍ.

ولا شك أن العالم كله يمر بأزمة كبيرة في هذه الأيام بسبب فيروس كورونا؛ هذا الفيروس الذي لا يُرى بالعين المجردة، لكنه أرعب العالم، وأظهر قدرة القدير الباقي، وضعف البشر وعجزهم على مقاومة فيروس صغير على ما أوتوا من العلم، فالكل حائر عاجز، وخائف وجل؛ لما يشاهده ويسمعه، وقد أجلس هذا الفيروس الناس في بيوتهم إكراهًا؛ فشل الطرق والمواصلات، وأفسد التجارات، والاقتصاد العالمي، والناس تائهون، لا يدرون ماذا يصنعون؟ وما يعلم جنود ربك إلا هو.

وديننا شامل كامل؛ في عقيدته وعبادته، وأخلاقه، ومعاملاته، والمسلم متعبد لله في كل وقتٍ، متخلق بأخلاق دينه؛ لأنه ممتثل لأوامره -سبحانه- في حال الرخاء، وفي الشدة والأزمة، وفي السعة؛ لأنه محقق لقوله -تعالى-: (قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (الأنعام:162).

وفي وقت الأزمات هناك أخلاق ينبغي أن نذكِّر بها:

أولها: معلوم أنه ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة؛ فتجديد التوبة والأوبة، والندم والرجوع إلى الله، خُلُق أولي لرفع الأزمة؛ التوبة من الشرك إلى التوحيد، ومن الكفر إلى الإيمان، ومن الظلم إلى العدل، ومن المعصية إلى الطاعة، وقد ضرب الله المثل بقرية يونس -عليه السلام- لما آمنوا جميعًا فكشف الله عنهم الأزمة في وقتٍ واحدٍ، فهذه دعوة لتجديد التوبة والمداومة عليها.

ثانيًا: التضرع إلى الله واللجوء له، فهو الذي يكشف الضر ويجيب دعوة المضطر: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) (الأنعام:43)، (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر:60).

ثالثًا: تعلق القلب بالله والثقة به، بأنه هو النافع الضار، الرافع الخافض، المعز المذل؛ أذل هؤلاء القياصرة الجبابرة بجندي صغير ضعيف مِن عنده، فتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، فتؤمن بقدر الله وقضائه، وتسلم أمرك له، وتفوض له أمرك، (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ) (غافر:44)، مع كمال الأخذ بالأسباب من الاحتياطات اللازمة لذلك.

رابعًا: الفأل وعدم الطيرة -أي: التشاؤم- فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يحب الفأل ولو بالكلمة، ويكره التشاؤم، ويقول: (الطِّيَرَةُ شِرْكٌ، الطِّيَرَةُ شِرْكٌ) ثَلَاثًا. (رواه أحمد وأبو داود، وصححه الألباني)، فتفاءل بالخير، وانقل الأخبار التي تحمل التفاؤل لعباد الله (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا . إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (الشرح:5-6).

خامسًا: بشِّر ولا تنفر، ويسر ولا تعسر، منهج نبوي رشيد، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لأبي موسي ولمعاذ -رضي الله عنهما- لما أرسلهما إلى اليمن: (يَسِّرَا وَلاَ تُعَسِّرَا، وَبَشِّرَا وَلاَ تُنَفِّرَا) (متفق عليه).

وقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- في أشد الأزمات يبشِّر أصحابه بالفرج، وإزاحة الغمة، ولما اشتد عليه الأمر في غزوة الأحزاب وكان الوصف كما وصف الله: (وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ) (الأحزاب:10)، إذا بالنبي -صلى الله عليه وسلم- يبشرهم بفتح روم وفارس؛ فبشِّر ولا تنفر، ولا تنقل أخبارًا إلا إذا كنت متأكدًا منها، وفيها نفع ومصلحة للمسلمين، وإلا أصبحتَ مروجًا للإشاعات التي تهدم ولا تبني، وتقتل ولا تحيي.

سادسًا: الصبر على البلاء، فما أعطي أحد عطاء أوسع ولا أفضل من الصبر، ومَن يتصبر يصبره الله (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ . الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:155-156)، الجائزة: (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) (البقرة:157)، فالصبر مهم جدًّا، ومِن هو من أعظم أسلحة مواجهة الأزمات والفتن.

سابعًا: الجود والإنفاق والتعاون علي البر والتقوى ليحصل التكافل الاجتماعي بين أفراد المجتمع الواحد، فلا يكن هم المسلم في الأزمة نفسه فقط، فيشتري الطعام والشراب ليخزنه، فأنت إذا كان معك مال لتشتري به، فإن أخاك المسلم ليس معه، فأنت قد أسأت له من نواحٍ عدةٍ، جمعت أنتَ ورآك هو وتحسر؛ لأنه فقير ليس معه ثم تحصلت على السلع، وتسببت في عجز لسوق السلع، ثم استغل الآخرون ورفعوا السعر، فقد أوقعت بإخوانك الضرر الذي نهى النبي -صلى الله عليه وسلم- عنه؛ فلنتقِ الله، ولنتخلق بخلق التعاون، والإحساس بالفقراء والمساكين، فإن النبي -صلى الله عليه وسلم- أثني على وفد الأشعريين قوم أبي موسى الأشعري في ذلك، فقال: (إِنَّ الأَشْعَرِيِّينَ إِذَا أَرْمَلُوا فِي الغَزْوِ، أَوْ قَلَّ طَعَامُ عِيَالِهِمْ بِالْمَدِينَةِ جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ، ثُمَّ اقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إِنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ، فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ) (متفق عليه).

فعلينا أن نشعر بحاجة إخواننا، وبخاصة مَن تضرروا بهذه الأزمة ممَن يعملون باليومية وكسبهم ضعيف، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه.

ثامنًا: الأمانة وعدم الخيانة من أخلاق الأزمات في المعاملات والمديونيات في البيع والشراء، والأخذ والعطاء، قال الله -تعالى-: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) (النساء:58)، (أَدِّ الْأَمَانَةَ إِلَى مَنِ ائْتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، فلربما أدَّت هذه الأزمات لبعض الناس أن يبيع ضميره وأمانته فيعتدي على المحال التجارية، فيسرق وينتهب ما فيها عياذًا بالله، مستغلًا الظروف والأحداث، وقد حذَّر الله مِن ذلك كله.

تاسعًا: من الأخلاق عدم استغلال واحتكار السلع والمنتجات، فبعض التجار لا يراقب الله في معاملاته يستغل حاجة الناس ليضاعف ربحه، وهو يعلم أن الناس في حاجة ماسة لها فيحتكرها ليرتفع سعرها، وقد نهي النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك وقال: (لَا يَحْتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ) (رواه مسلم)؛ فلنخبر هؤلاء المحتكرين أن الكفن ليس له جيوب، وليتحروا الحلال في المكاسب، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا.

عاشرًا -وأخيرًا-: لابد مِن وقفة مع النفس في ظل هذه الأزمة بسبب فيروس لا يرى بالعين المجردة، لكنه تسبب في شل العالم باسره، وكأن الكلام لك أيها المسلم، فثق بالله واعتصم به، وكن جنديًّا لدينه، ولا تبالي بجبروت المستكبرين في الأرض الذين يحاربون الله ورسوله، ويريدون إطفاء نوره؛ فثق بالله (لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ) (النور:57)، فبجندي واحد لا يرونه احتاروا ولم ينفعهم علوهم وكبرهم وطغيانهم (لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ) (آل عمران:196)، فثق بالله وأوصل الأرض بالسماء، يأتيك المدد من الله.

ثم سؤال: ما علاقة هذه الأخلاق بهذه الأزمة؟!

معلوم أننا لو حققنا والتزمنا هذه الأخلاق وهذا السلوك سيغيِّر الله لنا الحال، ويبدِّل لنا الخوف أمنًا واستقرارًا؛ لأن قاعدة التغيير في القرآن: (إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ) (الرعد:11)، (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) (الأعراف:96).

فنسأل الله أن يرفع ما ألم بالمسلمين من البلاء والوباء، والفتن والمحن الشدائد، وأن يجعل للمسلمين من كل بلاء عافية، ومِن كل ضيقٍ مخرجًا، ومِن كل هم فَرَجًا.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

   طباعة 
0 صوت
الوصلات الاضافية
عنوان الوصلة استماع او مشاهدة تحميل
الفوائد

جديد المقالات

Separator

روابط ذات صلة

Separator

القرآن الكريم- الحصري

القرآن الكريم- المنشاوي

القرآن الكريم- عبد الباسط

القرآن الكريم- البنا

نظرة على واقع المسلمين