الأربعاء، ٢٣ جمادى ثانى ١٤٤٣ هـ ، ٢٦ يناير ٢٠٢٢
بحث متقدم

نعم الأنيس! (1)

نعم الأنيس! (1)
الثلاثاء ٣٠ نوفمبر ٢٠٢١ - ١١:٣٥ ص
32

نعم الأنيس! (1)

كتبه/ جمال فتح الله عبد الهادي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال الله -تعالى-: (‌ظَهَرَ ‌الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41).

ومن معاني الفساد -كما ذكر المفسِّرون-: قلة البركة، وضيق العيش، وكساد السلع، وغلاء الأسعار، وهذا حاصل على جميع المستويات الخاص والعام، في الأفراد والأسر، والمجتمعات والدول.

فما المطلوب إذًا حتى يُرفَع هذا الفساد؟!

المطلوب: نظرة تمعن وتفحص في أحوال الكثير منا في هذه الأزمنة الراهنة، مِن: ناحية الاطلاع والقراءة والمذاكرة في كتب أهل العلم، ومواكبة الأحداث الجارية فيما بيننا ومن حولنا، وفي واقع أمتنا الإسلامية التي يجب أن تكون قائدة ورائدة لكل الأمم في كلِّ المجالات؛ لأنها عندها المقومات التي طالما وجدت في أمة كانت في القمة؛ لأن مصدر التلقي ثابت ومعصوم ومتقدم، ويشتمل على أحدث برامج علمية عالمية، لكن أبناء هذه الأمة عندهم ما عندهم من غفلة وفتور، وتكاسل وتشاغل بالدنيا، وشهوات بأنواعها مِن: جهل وألعاب بأنواعها، وغزو فكري رهيب، وتقليد أعمى وبدع.

فما المخرج من هذه الأزمات؟!

المخرج: (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) أي: إلى شريعة الله -تعالى- كاملة؛ عقيدة وتطبيقًا ومنهجًا. 

الرجوع إلى الدِّين بشموليته، والعمل الصالح، والعلم النافع مِن خلال التمسك بالكتاب والسنة بفهم صحابة النبي -صلى الله علية وسلم-؛ إذ لا يصلح المكان ولا الزمان إلا بالإسلام، فلا بد من الرجوع للفهم الصحيح السليم للنصوص الشرعية، كما فهمها الصحابة -رضي الله عنهم جميعًا-.

قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

والرجوع للدين يأتي عن طريق العلم، والتفقه في الدين، والعمل بما نعلم، والعلم يتم تحصيله بحضور دروس العلماء الربانيين ومطالعة كتبهم، والسهر والجد والاجتهاد، وفهم قضايا التوحيد والفقه، والفكر والأصول، والسيرة، ويسبق كل هذا فهم القرآن والسنة فهمًا دقيقًا كما فهمهما الصحابة -رضي الله عنهم-، وطلب العلم نوع من الجهاد، والخير والزاد بين أيدينا!

وعن أبي شريح الخزاعي قال: خرَج علينا رسولُ اللهِ -صلَّى اللهُ عليه وسلَّم- فقال: (‌أَبْشِرُوا ‌وَأَبْشِرُوا ‌أَلَيْسَ ‌تَشْهَدُونَ ‌أَنْ ‌لَا ‌إِلَهَ ‌إِلَّا ‌اللَّهُ ‌وَأَنِّي ‌رَسُولُ ‌اللَّهِ؟) قَالُوا: نَعَمْ، قَالَ: (فَإِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ سببٌ طَرفُهُ بِيَدِ اللَّهِ وطَرفُهُ بِأَيْدِيكُمْ فَتَمَسَّكُوا بِهِ فَإِنَّكُمْ لَنْ تضلُّوا وَلَنْ تَهْلِكُوا بَعْدَهُ أبدًا) (رواه ابن حبان، وصححه الألباني).

أرى إعراضًا من كثير من طلبة العلم عن مدارسة العلم، وهذه أفه لا تبشِّر بالخير، وفي المقابل: إن أهل البدع والضلال يجتهدون في طلبهم لعلمهم المشبوه، ولهم دعم من جميع الجهات؛ أموالًا، وقنوات، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

فاقرأ وتعلم من كلام العلماء في فضل الطلب ومطالعة كتب أهل العلم لكي تتأسى بهم؛ قيل للإمام عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى-: "إنك تكثر الجلوس وحدك! فغضب وقال أنا وحدي؟! أنا مع الأنبياء والأولياء والحكماء، والنبي -صلى الله علية وسلم- وأصحابه".

وقال المأمون: "لا شيء آثر للنفس، ولا أشرح للصدر، ولا أوفى للعرض، ولا أذكى للقلب، ولا أبسط للسان، ولا أشد للجنان، ولا أكثر وفاقًا، ولا أقل خلافًا، ولا أكثر عبارة من كتاب تكثر فائدته وتقل مؤنته؛ محدث لا يمل، وجليس لا يتحفظ، ومترجم عن العقول الماضية، والحكم الخالية، والأمم السالفة، يحيي ما أماته الحفظ، ويجدد ما أخلفه الدهر، ويبرز ما حجبته الغبارة، ويدوم إذا خان الملوك والأصحاب".

والكتاب جار بار، ومعلِّم مخلص، ورفيق مطاوع، وهو صاحب كفء، وشجرة معمرة مثمرة، يجمع الحكم الحسنة والعقول الناضجة، يجلو العقل ويشحذ الذهن، ويوسِّع الأفق، ويقوي العزيمة، ويؤنس الوحشة .

نِعمَ الأنيسُ إذا خـلوتَ كِتَابُ              تَلهو به إن خانَكَ الأحـبـابُ

لا مُفشِياً سرّا إذا استودعتَهُ             وتُـفـاد منهُ حـكمةٌ وصَوَابُ

قال الجاحظ: "الكتاب هو الذي إذا نظرت فيه أطال إمتاعك، وشحن طباعك، وبسط لسانك، وجود بنانك، وفخم ألفاظك، وعرفت به في شهر ما لا تعرفة من أفواه الرجال في دهر، والكتاب يطيعك بالليل كطاعته بالنهار، ويطيعك في السفر كطاعته في الحضر، ولا يعتل بنوم، ولا يعتريه كلال السفر".

وللحديث بقية -إن شاء الله-.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com