الأحد، ١١ جمادى أول ١٤٤٤ هـ ، ٠٤ ديسمبر ٢٠٢٢
بحث متقدم

مَن خلق الله؟ (2)!

مَن خلق الله؟ (2)!
الثلاثاء ٠٤ أكتوبر ٢٠٢٢ - ١١:٢١ ص
18

مَن خلق الله؟ (2)!

كتبه/ إيهاب شاهين

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقبل أن نبدأ في الطريق الثاني للإجابة عن سؤال: مَن خلق الخالق؟ لا بد من بيان الإجابة عن سؤال هو أحد أهم الأسئلة الوجودية الكبرى التي تجول بخاطر الإنسان، وهو: مَن خلق هذا الكون؟! لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي جعلت الملحدين يطرحون سؤالهم: مَن خلق الخالق؟ 

وسؤال: مَن خالق هذا الكون؟ الإجابة عليه فطرية، أي: مركوزة في نفس كل إنسان بموجب خلقته، فالفطرة هي الأساس التي تُبنَى عليه المعارف الإنسانية جميعها، وعلى رأسها: معرفة الخالق سبحانه، قال تعالى: "فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا"، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كل مولود يولد على الفطرة"، وفي رواية: "على هذه الملة؛ فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟!". 

وكذلك قد أخذ الله الميثاق على بني آدم قبل أن يخلقوا، كما قال تعالى: "وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ . أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ".

إن الاعتراف بربوبية الله وحده فطرة في الكيان البشري، فطرة أودعها الخالق في هذه الكينونة، وشهدت بها على نفسها، ولكن رحمته وحدها اقتضت ألا يكلهم إلى فطرتهم هذه، بل قد أرسل إليهم رسلًا يذكرونهم ويحذرونهم فقد تنحرف، وألا يكلهم كذلك إلى عقولهم التي أعطاها لهم فقد تضل، وأن يبعث إليهم رسلًا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل. 

إنّ الإنسان لو ترك وذاته بدون معلم أو مربٍّ؛ فإنه يشعر في أعماق نفسه، وبما أودعه الله في خلقته بأن لهذا الكون خالقًا خلقه، ومكوِّنًا كوَّنه، ومبدعًا أبدعه، ومدبرًا دبَّره؛ هذا الشعور نابع من فطرته وذاته، وليس مما تعلمه من والديه وأهله، يولد معه، وينمو معه، ويبقى معه لا يتغير بتغير الظروف، ولا يمكن انتزاعه من نفسه؛ لأنه جزء لا يتجزأ منها، فكما أن غرائز الإنسان ذاتية له، لا يمكن فصلها عنه ولا تحتاج إلى تعليم معلم، وكما أن عواطف الإنسان وأحاسيسه جزءٌ من خلقته وكيانه البشري، فإن شعوره الفطري الذاتي يدفعه دائمًا إلى الإيمان بأن لهذا الكون خالقًا ومدبِّرًا وربًّا. 

وفي بحث أجراه البروفسور جستِن باريت Justin Barrett في جامعة أوكسفورد حيث طبَّق دراسته على أطفال في أعمار مبكرة طوال سنوات، خرج بنتيجة تؤكد أن الأطفال لديهم القابلية المُسبقة للإيمان بـ"كائن متفوق"؛ وذلك لأنهم يعتبرون أن كلَّ ما في هذا العالم مخلوق لسبب، وعبَّر عن ذلك بقوله: "إننا إذا وضعنا مجموعة من الأطفال على جزيرة لينشأوا بمفردهم؛ فأعتقد أنهم سيؤمنون بالله".

ووضع باريت نتائج أبحاثه في كتاب نُشِر عام 2012 بعنوان: "مؤمنون بالفطرة"، كما نشرت عدة وسائل إعلام تقارير عن أبحاثه، ومنها صحيفة تليغراف البريطانية في نوفمبر 2008، بينما قال لإذاعة بي.بي.سي في حوار إذاعي: "إن غالبية الأدلة العلمية في السنوات العشر الماضية أظهرت أن الكثير من الأشياء تدخل في البنية الطبيعية لعقول الأطفال بشكل مختلف عما ظننا مسبقًا، مِن ضمنها: القابلية لرؤية العالم الطبيعي على أنه ذو هدف، ومصمم بواسطة كائن ذكي مُسبِّب لذلك الهدف".

وقد انضم إلى البروفسور باريت باحث آخر، هو البروفسور جوناثان لانمان Jonathan A. Lanman من جامعة أكسفورد، الذي وضع بحثًا بعنوان: "علم الإيمان الديني" The Science of Religious Beliefs، وتساءل فيه: "إذًا مِن أين جاءت هذه الاعتقادات الفطرية بوجود الخالق؟ فنحن لا نستطيع القول بأنهم (الأطفال) تعلموها من المجتمع؛ وذلك لأنها اعتقادات فطرية، وكذلك الدراسات أكدت أنها لا تعتمد على ضغوطات المجتمع وهي مشتركة بين مختلف الثقافات".

وبالطريقة نفسها، تقول الباحثة في علم نفس النمو والأديان بجامعة أكسفورد أوليفيرا بيتروفيتش Olivera Petrovich في كتابها: "نظرية الطفل عن العالم" Childs Theory of World: "إن الإيمان بالله ينمو طبيعيًّا؛ أما الإلحاد فهو بالتأكيد موقف مكتسب".

وهو ما يؤكِّد المقولة الشهيرة المنسوبة إلى المؤرخ الإغريقي بلوتارخ، عندما قال: "لو سافرنا خلال العالم، فمِن الممكن أن نجد مدنًا بلا أسوار، بلا حروف، بلا ملوك، بلا ثروات، بلا عملات، بلا مدارس ومسارح، ولكن أن نجد مدينة بلا معبد، وبلا ممارسات وعبادة وصلاة، ونحوه؛ فلم يرَ أحدٌ ذلك قط!". 

ولذلك كان وجود الله من الأمور المركوزة في الفِطَر البشرية؛ فإن كل إنسان يشعر مِن نفسه بأن له ربًّا وخالقًا، ويحس بعظيم الحاجة إليه، فيتجه بيديه وعينيه وقلبه إلى السماء، لطلب الغوث من ربه؛ ولذلك وبعد بيان هذه الحقيقة يحاول الملحدون مقابلة هذه الإجابة الفطرية بسؤالهم: إذا كنتم تقولون: إن لهذا الكون خالقًا، وهو الله، وكل خالق له مَن خلقه! إذًا مَن خلق الله؟! 

وفي المقال القادم إن شاء الله ندلف إلى الطريق الثاني للإجابة عن هذا السؤال وهو طريق المنطق. 

والحمد لله رب العالمين.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com

الكلمات الدلالية

تصنيفات المادة