الثلاثاء، ٢٩ ذو القعدة ١٤٤٣ هـ ، ٢٨ يونيو ٢٠٢٢
بحث متقدم

نظرة تاريخية حول الأوس والخزرج في الجاهلية والإسلام

بعد حروب طاحنة بينهم يغير الله أحوالهم وينصر بهم دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم

نظرة تاريخية حول الأوس والخزرج في الجاهلية والإسلام
زين العابدين كامل
الاثنين ٠٧ سبتمبر ٢٠١٥ - ١١:٣٨ ص
18686

نظرة تاريخية حول الأوس والخزرج في الجاهلية والإسلام

كتبه/ زين العابدين كامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛

لبث الأوس والخزرج بعد تغلبهم على اليهود زمنًا وكلمتهم واحدة، ثم وقعت بينهم حروب كثيرة بسبب التنافس السياسي والاقتصادي، استمرت أكثر مِن مائة سنة، ذكر المؤرخون عددًا مِن أيامهم فيها، منها حرب سمير، وحرب كعب بن عمرو المازني، ويوم السرارة، ويوم فارع، ويوم الفجار الأول والثاني، وحرب الحصين بن الأسلت، وحرب حاطب بن قيس، ثم حرب بُعاث، وكان أولها حرب سمير وآخرها حرب بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات. وقالوا في حرب بعاث: وكان سببها أن الحروب المتقدمة كلها كان الظفر والنصر في أكثرها للخزرج على الأوس، حتى ذهبت الأوس للتحالف مع بني قريظة وبني النضير؛ وذلك بعدما أيقنت أنها غير قادرة على الصمود، فأرسلت الخزرج إلى بني قريظة وبني النضير، لئن فعلتم فأذنوا بحرب، فتراجعوا وأرسلوا إلى الخزرج: إنا لا نحالفهم ولا ندخل بينكم. فقالت الخزرج لليهود: فأعطونا رهائن وإلا فلا نأمنكم. فأعطوهم أربعين غلامًا مِن بينهم، وزعتهم في بيوت زعمائها، ولما يئست الأوس مِن ضمان أسباب النصر، أوفدت إلى مكة وفدًا في محاولة منها لاستعداء قريش على الخزرج، فلم يستجب القرشيون إلى طلبها؛ حرصًا على عدم التدخل في أمور مِن شأنها أن تمس سلامة علاقاتها التجارية مع الجوار.

غير أن الخزرج قد أقدمت على تصرف أهوج، عندما أسفر أحد زعمائها عن نيته في الاستيلاء على ما في أيدي قريظة والنضير من أراضٍ ودور، وأنذرهم بتسليمها أو قتل غلمانهم، فأعطى بذلك المجال إلى تحالف تم بين القبيلتين اليهوديتين وبين الأوس، وبدأت حرب بين الطرفين، وأقدم زعماء الخزرج، عدا عبد الله بن أبي بن سلول، على قتل الرهائن اليهود. وحشد كل من الطرفين حلفاءهما مِن داخل المدينة ومِن خارجها، إذ راسلت الأوس حلفاءها مِن بني مزينة، بينما رأت الخزرج أن تراسل حلفاءها من بني أشجع وبني جهينة، وانضم إليها بنو قينقاع مِن اليهود.

وكانت الغلبة في اليوم الأول مِن القتال للخزرج، ثم لم يلبث الأوس أن مالوا على خصومهم يقتلونهم ويحرقون منازلهم ونخيلهم، بينما كان اليهود ينكلون بهم تنكيلًا شديدًا.

وفي النهاية مال الطرفان إلى الصلح, وبرزت شخصية عبد الله بن أبي بن سلول الذي اختير ليكون ملكًا على يثرب، وكاد أن يتم له ذلك، لولا قدوم الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة. ومعه الصحابة المهاجرين رضى الله عنهم،كان يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين. وهو اليوم الذي تقول فيه عائشة رضي الله عنها: كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرحوا، قدمه الله لرسوله صلى الله عليه وسلم في دخولهم الإسلام.

ثم تغيرت أحوالهم وتبدل تاريخهم، فها هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يهاجر إلى المدينة وقد اختارها الله جل وعلا أن تكون مأوى لنبينا صلى الله عليه وسلم، وقد أسلم كثير منهم قبل الهجرة.

ولما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، نصره الأوس والخررج وأصبحوا هم أنصار رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أطلق الله عليهم لقب الأنصار صريحًا في القرآن العظيم، قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (التوبة: 100)، ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (التوبة: 117).

ويقول عنهم صلى الله عليه وسلم: لولا الهجرة لكنت امرأ مِن الأنصار، ويقول: لا يبغضهم إلا منافق، وكان كثيرًا مايدعو لهم، ومما أثر مِن دعائه صلى الله عليه وسلم لهم قوله: اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار.

وقد تميزت الأنصار برقة قلوبهم؛ يقول العرباض بن سارية: "وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون"، وفي غزوة حنين وقع في قلوبهم شيء؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام أعطى غيرهم ولم يعطِهم، وهنا جمعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: يا معشر الأنصار؛ مقالة بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها عليَّ في أنفسكم؟ ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله، وأعداءً فألف الله بين قلوبكم؟» قالوا: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل. ثم قال: «ألا تجيبوني يا معشر الأنصار؟ قالوا: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل. قال: أما والله لو شئتم لقلتم، فلصدقتم ولصدقتم: آتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلًا فآسيناك»، «أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة مِن الدنيا تألفت بها قومًا ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم؟ ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرأ مِن الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا، وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار»، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم، وقالوا: رضينا برسول الله صلى الله عليه وسلم قسمًا وحظًّا، ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتفرقوا. (رواه البخارى).

ومِن صفات الأنصار السخاء، وقد أثنى الله عليهم بهذه الصفة بنص كتابه قال الله جلَّ وعلا بعد أن ذكر الفقراء المهاجرين قال: ﴿والَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ أي: مِن قبل المهاجرين ﴿يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9) هؤلاء الأخيار هاجر إليهم المهاجرون وقدموا إليهم في مدينتهم فاقتسموا المدينة والطعام والشراب والزرع والثمار معهم رضي الله عنهم.

ومِن صفاتهم الشجاعة؛ فالأنصار هم الذين خرجوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم بدر وأخذ النبي عليه الصلاة والسلام يستثير الهمم ويستشير الناس ويجيبه أبو بكر ثم عمر وهو عليه الصلاة والسلام يكرر خطابه الأول «أشيروا عليَّ أيها الناس» ففقهه الأنصار أنه يعنيهم، وفطن إلى ذلك قائد الأنصار وحامل لوائهم سعد بن معاذ، فقال: والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل. قال: فقد آمنا بك، فصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت؛ فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدوًا غدًا، إنا لصبر في الحرب، صدق في اللقاء، ولعل الله يريك مِنَّا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.

فانظروا كيف كان الأنصار في الجاهلية ثم كيف كانوا في الإسلام؟ نقول: سبحان الله .. بعد حروب طاحنة بينهم يغير الله أحوالهم وينصر بهم دينه ورسوله صلى الله عليه وسلم .. اللهم استعملنا ولا تستبدلنا .. اللهم آمين، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

موقع أنا السلفي

www.anasalafy.com